كاسل السياحة والفندقة

كاسل السياحة والفندقة

مصر آمنة مهما حاولوا وأرضها مقدسة

كتب د. عبد الرحيم ريحان

مصر قهرت أعتى الغزاة عبر كل العصور ولن تهتز أمام حفنة إرهابيين فهى البلد الوحيدة التى ذكرت فى القرآن الكريم صراحة خمس مرات وضمنًا عدة مرات وارتبطت بأنها بلد الأمان والذخائر والأنهار وعظمة البناء وملجأ الأنبياء

وإن مصر محروسة آمنة وقد قال نبى الله يوسف عليه السلام لأخوته } ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ{ مما يؤكد أنها ملجأ الأنبياء وأنها بلد الأمان محروسة بعناية الله دائمًا قاهرة لكل الأعداء من الهكسوس والحيثيين والفرس والصليبيين والمغول وغيرهم كما كانت حضن الأمان للعائلة المقدسة والربوة المقصودة فى الآية 50 فى سورة المؤمنون ذات قرار ومعين هى أرض مصر التى لجأت إليها العائلة المقدسة وهى أرض بها نبات وربى وقد جاء إليها نبى الله إبراهيم وأنبياء الله يعقوب ويوسف وأخوته عليهم السلام وتربى بها نبى الله موسى عليه السلام ومر بجبلها بطور سيناء أشرف الخلق محمد عليه الصلاة والسلام فى رحلة الإسراء والمعراج

وترتبط مصر بوجود خزائن الأرض تحت أرضها وفى جبالها وبحارها كما جاء فى سورة يوسف الآية 55 } قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِن الْأَرْض{ مما يؤكد وجود خزائن الأرض بمصر من معادن نفيسة وبترول وكل مصادر الطاقة والمياه الجوفية وغيرها  تتكشف يومًا وراء يوم بدراسات متعددة مما جعلها مطمعًا للغزاة والحاقدين عبر كل العصور كما وصف القرآن الكريم أنهار مصر وعظمتها }وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي{ كما أشار فى سورة القصص آية 38 } فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا{إلى عظمة البناء فى مصر وبراعتهم فى استخدام الطوب الأحمر والذى تفوقوا فيه على كل الأمم إضافة لبراعتهم فى البناء بالأحجار وبنوا منه الصروح الشاهقة

وقد أمر سبحانه وتعالى نبى الله موسى وأخيه أن يبنوا بيوتًا فى مصر ويجعلوا هذه البيوت مساجد قبل دخول الإسلام إلى مصر فى سورة يونس آية 87{وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ{ مما يعنى طهارة وقداسة أرض مصر وفى العصر الإسلامى كان تخطيط الشوارع منسّق بحيث تتوافق مع اتجاه القبلة وهذا ما حرص عليه المعماريون المسلمون بعد ذلك لأن الأمر لم يكن قاصرًا على موسى وأخيه فقط بل جاء بصيغة الجمع ليتّبعه الجميع بعد ذلك واتضح فى شارع المعز لدين الله الفاطمى ومواقع الآثار الإسلامية كما أكد سبحانه وتعالى قداسة مصر حين أقسم بجبل طور سيناء وجعله فى مكانة مكة المكرمة والقدس الشريف فى سورة التين فالتين والزيتون هى أرض القدس وطور سينين جبل الطور والبلد الأمين مكة المكرمة

وأشار القرآن الكريم إلى معالم الحضارة المصرية ومنها }وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَاد{ فى سورة الفجر آية 10 والتى فسرت على أنها الأهرامات أو المسلات كما ذكرت عظمة البناء فى المدن المصرية فى سورة الأعراف آية 111{ قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ{ وجاءت كلمة مدينة فى عصرى يوسف وموسى تعبيرًا عن مدن مصرية وذكرها بصيغة الجمع تدل على تعدد المدائن وحسن عمارتها كما ورد صواع الملك وهو مكيال أو إناء للشراب فى سورة يوسف آية 72 {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ{ كما أشار القرآن لرغد العيش فى مصر } كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ{ ووصف أهل مصر بالكرم فى سورة يوسف آية 21 }وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ{ وكذلك براعة المصريين فى استخراج الذهب واستخدامه }فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ{ فى الآية 53 من سورة الزخرف وهو الذهب الذى أخذ منه بنو إسرائيل جزءًا كبيرًا أثناء خروجهم وحولوه إلى عجل ذهبى بسيناء

رؤية نقدية لمسلسلات رمضان، الاختيار- حب عمرى

بقلم : حسام الفنجري

هبت رياح العولمة علي كل بقاع الأرض ومنها منطقتنا العربية ، وأثرت عليها في صورة ضغوط متزايدة ، أدت الي انتشار ظواهر فقدان الهوية ، والتفكك الاجتماعى  وانتشر الفكر المتطرف ، وتغلغلت المادية ولغة المصالح ، واستطاعت أن تضعف احساسنا بالرومانسية ، والحاجه الي الحب في حياتنا اليومية .

 م جاءت جائحة كورونا لتجبر دول العالم بأثره ، علي غلق حدود كل دولة لتواجه هذا الإعصار بمفردها .

واضطرت كل الأسر أن تعيش في ظروف حظر صحي ، والتواجد لساعات طويلة داخل البيوت ، وغلق أبوابها داخل حدود البيت الواحد ، وبدأ كل فرد من افراد الأسره الواحدة ، يعيد حساباته تجاه علاقته بدولته ، وعلاقته ببقيه أفراد أسرته .

وبرزت بشكل واضح أهميه الدولة في توفير الأمن الصحي ، وبدأنا نستخدم ولأول مره مصطلح "الجيش الأبيض " .

ثم أطلت علينا الدراما التلفزيونية في رمضان 2020 ، بعملين جديرين بالرصد والتحليل  ، هما مسلسلي "الاختيار " و " حب عمري " .

مسلسل "الاختيار " يتناول قضية الوطنية والتضحية من أجل الوطن ، بينما يرسخ مسلسل  " حب عمري " لأهميه الرومانسية والحب ، مقابل المادية ولغة المصالح التي أصبحت هي الأكثر شيوعًا في مجتمعنا الحالي .

تدور أحداث مسلسل " الإختيار" حول قصة البطل " أحمد المنسي "  الذي استشهد في معركة مع مجموعة إرهابية في كمين البرث بالقرب من رفح ، أثناء محاولته التصدي لهجوم تلك المجموعة الإرهابية .

بينما تدور أحداث مسلسل " حب عمري " ، حول حكاية " عيسي الفقي " ، الذي يدافع عن المبادئ من خلال قصة حب رقيقة في وسط حياه مليئة بالمعوقات المادية والإحباطات 

 " المنسي" يذكرنا بقضية الوطن وقدسية ترابه وحدوده ، التي يضحي من أجلها بالغالي والنفيس ، ويدق ناقوس الخطر ضد كل ما تحاول أن تبثه قوى الغدر والإرهاب من خسه وجبن لا يهدف إلا إلى تمزيق الوطن .

" عيسي" يضحي بكل ما هو مادي من أجل مبادئه والقيم التي تربي عليها  ، ويرفض أن يبيع حب عمره علي الرغم من امكانياته الماديه الضعيفة ، وبذلك يصبح نموذج للشاب المثالي الذي أصبح نادر الوجود في هذا العصر .

" الاختيار " بالنسبه للمنسي هو حب عمره ، مصر التي طالما اقسم ان يدافع عنها .

فهل يكون " الاختيار" بالنسبه لعيسي هو حب عمره ؟

فانوس رمضان وأغانيه دِراسة ميدّانية

كتبت – زينب محمد عبد الرحيم

باحثة في الفولكلور والثقافة الشعبية

تُعد الفوانيس من أكثر المظاهر التراثية المرتبطه بشهر رمضان المُبارك ,فنجد أنّ تلك الظاهرة رسخت في وجدان المصريين منذ العصر الفاطمي وكان ذلك مرتبطًا بيوم رؤية هلال رمضان حيث كان الخليفة الفاطمي ومعه العلماء والعارفين في الفلك والتقويم كانوا جميعهم يحملون الفوانيس المضيئة وذلك لرؤية هلال رمضان , وكان يُصاحب يوم الرؤية احتفال جموع الشعب بهذا الحدث لأستقبال الشهر المُبارك .

ويصف المُستشرق  الإنجليزي ادوارد وليم لين من القرن الثامن عشر مظاهر الاحتفال برؤية الهلال  في القاهرة فيقول :

"في مساء ذلك اليوم يسير موكب المحتسب ومشايخ الحرف المتعددة ومعهم فرق موسيقية وعدد من الفقراء ويتخللهم فرق من الجنود من القلعة إلى مجلس القاضي ويتقدم حاملو المشاعل لينيروا الطريق وبعد رؤية الهلال يعودوا صائحين  يا أمة خير الأنام .. الصيام الصيام ."

فترتب على ذلك ارتباط شهر رمضان بالمصابيح المُضيئة المعروفة بالفوانيس ,وكان الحرفيين قديمًا يدركون أهمية الفوانيس وشيوعها فكانوا يستعدون لهذه المناسبة قبلها بعدة أشهر حتى يمكنهم إنتاج أكبر كمية من الفوانيس المصنوعة يدويًا

ولم يرتبط الفانوس وحده باستقبال شهر رمضان بل ارتبطت به الأغاني أيضًا فكان هناك أغنيات شعبية تُغنى في هذه المناسبة بل وأيضًا أغنيات ارتبطت بالفانوس نفسه مثل الأغنية الشعبية الزائعة "وحوي يا وحوي .. إياحا "

هذه الكلمات التي أصبحت أصيلة في الوجدان المصري وقاومت كل التغيرات الزمانية وارتبطت بشكلٍ خاص بفانوس رمضان ,فالمتأمل في تلك الأغنية التي سأورد كلماتها في هذه المقالة سيلاحظ أنّ أغنية وحوي يا وحوي مجهولة المؤلف ولكن بكل تأكيد كان هناك من أبدع كلماتها ولكن مع مرور الزمن تجاهلنا المؤلف الأول واصبحت ملكًا للجماعة الشعبية الحاضنة لذلك الموروث الشفاهي .

وسنلاحظ أيضًا أن كلماتها "وحوي , أياحا" كلمات غير موجودة في اللغة العربية أو حتى في اللهجات المصرية الدارجة , ولكن هذه الكلمات أجمع العديد من الباحثين  على أن أصلها مصري قديم وخاصةً القبطية اللهجة (الصعيدية) فنجد أن كلمة وحوي من أصل الكلمة المصرية القديمة واح بمعنى"إستمر"

 (أنظر المعجم الصغير في مفردات اللغة المصرية القديمة أحمد بدوي ,هرمن كيس)

ويذكر جاردنر عدة معانِ لكلمة واح بمعنى صبورًا أو احتمل

أمَّ عن كلمة إيَّحَا /إيُّحَا تعني (القمر) وأصلها المصري القديم إعح وأصبحت في اللهجة الصعيدية يوح /أوُّوح .

فنستنتج أنَّ معنى الأغنية هو استمر أيها القمر للترحيب برؤية الهلال , ونستنتج أيضًا أنَّ مصدر تلك الكلمات التراث الشعبي (الفولكلور) الصعيدي في جنوب مصر .

الأغنية : وحوي وحوي      ايوحا

           بنت السلطان       ايوحا

         لابسه قفطان          ايوحا

            بشراريبه           ايوحا 

           ياللا نجيبه             ايوحا

            بالأحم              ايوحا

           بالأخضر           ايوحا

ونجد في أغنية حَالُّو يا حَالُّو رمضان كريم يا حَالُّو إنَّ كلمة حَالُّو أيضًا في القبطية اللهجة الصعيدية بمعنى شيخ / عجوز وتُغنىّ تلك الأغنية من قِبل الأطفال ليذكروا كبار السن من الأجداد والأقارب والجيران بإعطائهم عيدية  وهدايا رمضان

الأغنية :

حالو يا حالو            رمضان كريم يا حلو

الصايمين يا حالو       بعد ما فطرم حلوا

         فك الكيس وادينا بقشيش 

         لنروح ما نجيش ياحلو

وكما ذكرنا سابقًا أن فانوس رمضان كان يتم تصنيعه يدويًا على يد حرفيين يتوارثون تلك الحرفة من الأباء والأجداد ونجد أهم الورش لصناعة الفوانيس تتركز في منطقة تحت الربع في باب الخلق بالقاهرة فتشتهر تلك المنطقة بإنتاج الفوانيس على كافة أشكالها ويوجد عدة ورش بمنطقة الجيزة أيضًا , ومما لا شك فيه إنَّ شكل الفانوس تغير عبر الزمن.

وعند زيارتي لأحد ورش الفوانيس(بالجيزة) وذلك قبل حلول شهر رمضان بعدة أسابيع ذكر لي الحرفي أسماء الفوانيس التي تُصنع يدويًا من الصاج وكانت على النحو التالي :

 فنجد الفانوس أبو حجاب ,شقة البطيخ , مربع مدور ,فانوس أبو عرق , فانوس أبو حشوه , فانوس أبو نجمة ,المرجيحة ,فانوس مسدس عِدل , فانوس صاروخ ,فانوس دبابة , طيارة, مركب ,فانوس مقرطس /مبزبز كبير على شكل نجمة 12 ذراع , أبو لوز , مقرنص ,شمسية بدلاية

ومن أشكال الفوانيس التي أندثرت منذ فترة طويلة :  فانوس طار العالمة والشيخ علي .

ويستخدم الحرفي (صانع الفوانيس) عادة أدوات بدائية يدوية أهمها الصفيح وقصدير اللحام و أمامه موقد ليصهر عليه القصدير ويلحم به قطع الصاج المُكونه لأجزاء الفانوس ولديه أيضًا مكبس يدوي للتخريم وطباعة الأشكال المتنوعة على الصاج وكل جزء من أجزاء الفانوس يصنع منفصلًا كالقبة والجسم والقاعدة وذلك ليتمكن من إضتفة الزجاج الملون والحليات الأخرى وفي النهاية تتم عملية اللحام والدهان / التلوين إلى مرحلة المراجعة على الفانوس بشكل كامل .

ويذكر الحرفي في نهاية الحديث أن هذه المهنة التراثية الموسمية تتعرض لخطر الإندثار في ظل هذه المواجهه الشرسة للتكنولوجيا الحديثة و أشكال الفوانيس التي تستورد من الخارج ويكتظ بها السوق وربما تكون أرخص سعرًا من الفانوس المصري اليدوي .

ولكن بطبيعة الحال ليس صانع الفوانيس وحده من يُعاني تلك المعاناة بل جميع الحرف اليدوية التقليدية تتعرض لهذه المواجهه الغير عادلة مع التكنولوجيا الحديثة التي أطاحت بكل ماهو يدوي ليعتمد الإنسان على الآله بشكل رئيسي وعلى الرغم من ذلك لم يتمكن اليأس من الحرفيين المصريين مقاومين كل ظروف الحياة ويتمسكون بميراثهم الحرفي في مواجهة متطلبات السوق الحديثة .أ

كرامات آل البيت

كتبت  - زينب محمد عبد الرحيم

باحثة في الفولكلور والثقافة الشعبية

’’ يا أهل بيت النبي دا انا خدام في واديكم

  طمعمان في نظرة رضى ليا العشم فيكم

  إنتو رجال الحمي طالت أياديكم

تاخدُمْ بيد العيان اللي احتمى فيكم’’

بركات آل البيت وطلب المدد والاعتقاد في الأولياء وأيضًا القديسين يُعد معتقدًا راسخ في العقل الجمعي وربما يعتقد البعض إن التبارُك بالأولياء وآل البيت له بُعد طبقي إذ يقتصر على البنية التحتية من المجتمعات فقط لكن هذه نظرة ربما تتسم بالسطحية فالمعتقد الشعبي في واقع الأمر لاتقيده تلك الأبعاد الاجتاعية الطبقية أو مستوى التعليم على العكس هذه المعتقدات تعتمد في أساسها على أبعادٍ روحية وسيكولوجية حيث يلتمس الإنسان العون عن طريق هذا الوسيط الروحاني , وربما شيوع الكرامات جعل اللجوء للأولياء والقدسين دربًا من دروب البحث عن العلاج والحل .

 فيعرف د. محمد الجوهري "الأولياء " بأنه مصطلح يُشير إلى تلك الفئة من الشخصيات الدينية التي تحظى بتكريم خاص من جانب الناس ,ولكنها لا تنتمي بطبيعة الحال إلى فئة الأنبياء أو غيرهم من الشخصيات المقدسة وقد ترسخ في الاعتقاد الشعبي فكرة أن الأولياء هم الواسطة بين الإنسان وخالقه, كما يعترف المعتقد الشعبي أن للأولياء سلطان لا حدود له ,ويضفي عليهم بعض الخوارق والمعجزات ,الاعتقاد في الأولياء يشغل مساحة كبيرة لدي الجماعات الشعبية فالأولياء يجسدون أحلام وآلام هذه الجماعات في مختلف العصور.

والمجتمعات الصوفية تمثل فصيل اجتماعي وثقافي وديني له شعبية كبيرة ويؤثر بشكل واضح على الفكر الديني الشعبي خاصةً في دعوتها إلى عالم أولياء الله الصالحين سواء كان هذا الولي مصريًا أو وافدًا ومات ودفن في أرض مصر ,وهذا التقديس يحمل في طياته عبق النبوة والحنين إلى المرشد والدليل صاحب الدعوة والكرامة العارف بالله وطرقه .

ومن هنا كان آل البيت في قمة هرم البركات وخاصةً إن التاريخ يؤكد وجود هذه الشخصيات المباركة في أرض مصر مثل السيدة نفيسة ,السيدة زينب , السيدة عائشة,وسيدنا الحُسين  رضي الله عنهم وأرضاهم ويليهم مباشرة الأولياء مثل السيد البدوي و أبي الحجاج الأقصري وغيره من الأولياء وأصحاب الكرامات في كل المحافظات بل يصل الأمر في بعض القرى أن هناك عدة شخصيات لها مقامات يُقام من أجلها الموالد والاحتفالات وتمثل خصوصية لتلك المنطقة كما هو الحال في جنوب مصر (الصعيد) في قنا ودندرة حيث تكثر الاحتفالات والموالد بشخصيات لها بركات وأهمية روحية كبرى لدى هذا المجتمع والمُلاحظ أن للضريح(المقام) خاصةً في الأماكن الريفية التقليدية  والجنوب تتسم  بطابع خاص في البناء يغلب عليه البساطة وذلك على خلاف المساجد الكُبرى المخصصة لأهل البيت رضي الله عنهم.

مظاهر الفنون والإبداع داخل الاحتفالية الصوفية:

ولابد وأن نتأمل مظاهر الاحتفال بالموالد والعادات وأيضًا لا يمكننا أن نغفل عن النصوص الأدبية الروحية سواء كانت شعبية بلهجة دارجة أو بالفصحى كأغاني المديح والتصوف

فهذه الاحتفاليات يختللها الإيقاع باستخدام الدفوف والطار والطبل البلدي ونجد من هم محترفون في الرقص والعزف بالطورة وهي تشبهه الصاجات النحاسية ولكنها كبيرة الحجم ولها عدة مقاسات ولكل مقاس منها تون خاص وتستخدم دائمًا في الحضرة والجلسات الصوفية ويعزفها بشكل خاص وأساسي الرجال.

والأرغول آله موسيقية لها حضور أيضًا داخل الاحتفال , وحديثًا نرى الكمانجا وذلك كنوع من الحداثة داخل الاحتفال ولكن الآلة الشعبية الوترية الاساسية هي الربابة

ونجد أثناء الحضرة الصوفية راقص التنورة والمولوية وهنالك فرق بينهما حيث أن الأول راقص التنورة (المصري) يتميز بالزي الملون والمبهج ويعتمد على العديد من الحركات الاستعراضية ,فهو استعراض أكثر منه حاله دينية روحية كما في المولوية وهي رقصة تجلي موطنها الأصلى عثماني وهذه الرقصة لها حالة روحانية وقواعد وأشارات باليد والرأس ويقوم الدرويش بالتمركز في المنتصف ويدور حوله الراقصيين ويستمرون في الدوران إلى الوصول للنشوة الروحية فهي بمثابة صلاة , اما عن حلقات الذكر فهناك الأداء الحركي المتعارف عليه وهو أن يقف الرجال ويقومون بحركات هز الرأس يمين ويسار ببطئ ثم تزداد السرعة تتدريجيًا وهذا الأداء أيضًا يعبر عن تواصل روحي وأنفصال عن الوعي والوصول عبر اللاوعي إلى عوالم آخرى , والجدير بالذكر أن  العديد من المستشرقين قاموا برصد كل ما يتعلق بالاحتفال وحلقات الحضرة والذكر مثل كتاب إدوارد وليم لين ,

وكتاب وصف مصر (الحملة الفرنسية) في المبحث الثامن تحت عنوان "حفلات زفة المولد" ولأهميته سأورد بإيجازًا شديد ما ذكره المؤرخين والمستشرقين الفرنسيين عن هذه الاحتفالية, يفتتح هذا الفصل بالحديث عن (مولد ستي زينب) هكذا ورد في الكتاب حرفيًا وهي من أكثر شيخات(أولياء) المسلمين قداسة .

زفة المولد وما يتبعها من تواشيح ويكون عبارة عن حشدًا هائلًا من الطرق الصوفية والفقراء , وذكر الكتاب العديد من الطرق مثل العلوانية , الرفاعية, الشناوية, القاسمية , البرهامية

وذكر المبحث الالات المستخدمة :طبول (نقرزان) طبول الباز – طبلة المسحراتي- , الدفوف ,دف البندير.

الرقص في حلقات الذكر : وصف لحركة الرأس كما ذكرنا سلفًا بطيئة ثم تتسارع

ويذكر في المبحث التاسع وصف لحلقة الذكر على الطريقة السمانية وهو ذكر يؤدى بالقرب من الإمام الشافعي يستمر لمدة أربعة أيام من 8 محرم إلى 12 ويستغرق ساعة إلا ربع .

هذا ما جاء في كتاب وصف مصر عن الاحتفالات قديمًا ونلاحظ أنها لازال تحتفظ بنفس الطقوس ولكن مايمكن أن نرصده من تغير هو فيما يخص العادات التي كانت تتم أثناء المولد

قديمًا كان هناك (المزين) وكان يتم ختان الذكور في المولد , وكان هناك رقص غوازي ربما موجود حتى الآن ولكن بصورة نادرة ,ويصاحب الغوازي البهلوانات والقرداتي وهي مهنة اندثرت أيضًا

ولكن من المظاهر التي لا تزال راسخة لا تتغير نذكر على سبيل المثال عادات الطعام في المولد وقبله بأيام يحضر المريدين من جميع المحافظات وربما من بلاد خارج الاطار الجغرافي لمصر لحضور المولد وأخذ البركة والنظرة ومن هنا نرى الطعام بكثرة وبكميات كبيرة جدًا لإطعام الغني والفقير ويحضرني في هذا السياق المثل الشعبي القائل

"خرجت من المولد بلا حُمص" فسياق هذا المثل الأصلي خاص بالمولد والحمص الذى يتواجد بكثرة أثناء هذا الاحتفال ولكن مع الاستخدام أصبح له مدلولات آخرى

الطب الشعبي عند أولياء الله الصالحين

هناك شواهد ميدانية تؤكد أن بعض خُدام أضرحة الأولياء ابتدعوا لأنفسهم أسلوبًا خاصًا في العلاج وهو أن ينصح المريض بأن يعطيه في ليلة الجعمة شيئًا من متعلقاته كقطعة ملابس مثلا والباقي على خدام الضريح حيث يتولي هو الأمر واضعًا تلك الملابس أعلى مقصورة الضريح حتى صلاة الجمعة وبعدها يسلم الشئ لصاحبه ويتلقى الأجر ويطلب من المريض أن يرتدي هذه الملابس "وببركة صاحب المقام يتحقق الشفاء"

هذا الدور العلاجي لبعض خدم الأضرحة لو تأملناه جيدًا سنجده عادة قديمة والكثير سمع عنها وربما لجأ إليها أيضًا وهذا الدور العلاجي ينطوي على دلالات عميقة فهو ليس مجرد وسيلة ينتفع بها هؤلاء وتكون باب رزق جديد لهم وإنما الأمر في حقيقته يتجاوز ذلك ويتعلق بأوضاع المعتقدات الشعبية بوجه عام ومظاهر الاعتقاد في كرامات ومدد الأولياء بوجه خاص .

المياه المباركة عند السلطان الحنفي

وهناك شاهد ميداني آخر قمت برصده يدخل في إطار العلاج وهو الاعتماد على المياه الموجودة في مسجد الجنفي بالسيدة زينب بنائه تاريخي ويأتي إليه الناس من كل حدبٍ وصوب طلبًا للماء وقصة هذا الماء يإجاز إنها بئر من زمزم حيث يروي شيخ الجامع شفاهيًا قصة متواترة عن هذا البئر فيذكر أن السلطان الحنفي ذهب ليحج وهو عند بئر زمزم أضاع إناء كان يشرب به وعندما عاد في ليلة ما بعد مرور فترة طويلة وجد هذا الإناء في البئر الموجود حاليًا داخل المسجد وهذه هي أقدم الروايات عن القصة و هذا المسجد والبئر عمرهم يتجاوز ال 700 عام أكثر من سبعة قرون من الزمن وهو مُدرج ضمن الأثار المصرية الأسلامية ,وهذا الاعتقاد فيما يخص مياه هذا البئر بغرض التماس البركة والشفاء

ولكن الوعي تغير خاصةً فيما يخص الأمراض المستعصية والعلاج فاللعلم والطب اليد الطولى في العلاج بإذن الله تعالى.

هنا نصلي معًا شعار الصوفية

السلام بين الأديان (اليهودية والمسيحية والإسلام) والتي نادى بها الحلاج وجلال الدين الرومي في أقوالهم  ,فيقول جلال الدين الرومي "مسلم أنا ولكني نصراني برهمي وزرادشتي توكلت عليك أيها الحق الأعلى فلا تنأ عني ,لا تنأ عني" فوحدة الأديان أحد الأفكار الوافدة مع الأولياء إلى مجتمعنا المصري فامتزجت بالثقافة الصوفية التي اثرت حب آل البيت وجعلتهم فيى مقامٍ علين, فالحب هو الإيمان ولا داعي للفرقة فالله الواحد نجتمع جميعًا في محبته,ونجد أعلام للصوفية في عصرنا الحالي نذكر الإمام علي جمعة والحبيب الجعفري ونرى تسامحهم ومحبتهم في جميع المواقف والفتوى ولن أنسَ الاحتفاليات التي تقام في سيناء ومُجمع الأديان بالقاهرة على شرف السلام والمحبة وفرق الإنشاد الديني من كل العالم , وهذه الأوقات العصيبة التي يمُر بها العالم  الأن تؤكد لنا  قول الحبيب الرسول صلى الله عليه وسلم "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"  جميعنا كيان واحد ونصلي معًا طلبًا للمحبة والرحمة والسلام.

صراع حورس وست وطقس السبوع

كتبت – زينب محمد عبد الرحيم

باحثة في الفولكلور والثقافة الشعبية

في واقع الأمر إنَّ الإنسان منذُ نشأتهِ الأولى وهو يعيش تحت وطأة الصراع فمنذُ البدء انشغلت مُخيلة الإنسان القديم بأفكار الطبيعة من حولة وبرع في صناعة الرموز وأختيارها من بين ماهو مادي وغير مادي فالظواهر الكونية التي عجز الإنسان الأول عن فهمها حوّلها إلىّ أسطورة مليئة بالرموز التي صاغها مِن بنات أفكارهُ تارة و من الواقع المحسوس تارةً آخرى وبذلك أستطاع أنْ يهرب من الحتم الطبيعي الذي يعيش في صراع دائم معه ولا يجد له تفسير ومن ثمّ حوره إلى أفكار ميتافيزيقية أي ما ورائية حتى يهدأ ويتكيف مع هذه الطبيعة .

وهذا العالم الأسطوري لم يكن محض خيال فردي ولكن شرطًا أساسيًا أنْ يكون مُتّفق عليه داخل العقل الجمعي الذي صاغ تلك الرموز و جعل منها أساطير تكتسب طابع التقديس داخل الجماعة التى تؤمن بها ويمكن أنْ تكون بالنسبة لإناسٍ أخرون مجرد تعاويذ أو خرافات ليس لها أساس من الصحة و ربما يكون الآخرون لديهم طقوسًا يعجز عن فهما أخرون ,وذلك لا يمنع إنَّ للأساطير عُمقً فلسفيًا ميزها عن أي قص شعبي أتخذ عناصره العجائبية من الأساطير القديمة  كالحكايات والحواديت , فالأسطورة  بطبيعة الحال لم يتبقى منها غير النصوص والشعائر الخاصة بها والتي كانت ذات طابع ديني له ممارساته و مع مرور الزمن توقفت الأسطورة عن أداء وظيفتها فتفتت عناصرها وتصورنا إنها حكايت وحواديت شعبية.

 وهكذا تحتفظ الأساطير بخصوصيتها الطقسية والرمزية داخل المجتمع الثقافي التي نشأت فيه وكما يقول العالم البنيوى "ليفي شتراوس" الأساطير تُفسر  دائمًا من الداخل لا من الخارج ,داخل إطارها الثقافي حتى نحصُل على المعنى . فمن المتعارف عليه الأهتمام البالغ الذي وجهه شتراوس لدراسة الأساطير عن طريق تحليل بنية النص وبيان العناصر المتشابهه بين العديد من أساطير العالم فهو كان يسعىّ لتأكيد نظرية وحدة العقل البشري وأكد في دراساته إنَّ عقل الإنسان القديم لم يكُن همجي أو بدائي بل هوَّ متشابه تمامًا مع عقل الإنسان الحديث مع وجود بعض الاختلافات الثقافية والزمنية والاجتماعية والسياسية التى ينشأ فيها أي إنسان .

 ومن هنا نجد أنْ أغلب شعوب العالم كما قال "جيمس فريزر" تحرص على رواية قصة الخلق وذلك لربط الذات بموضوعيتها بمعنى إنَّ الإنسان دائمًا في حالة بحث عن قوى تفوق قدراته الحسية فيلجأ إلى ذات آخرى وهى الذات الُعليا فهيّ التى تُحدد مصيره لأنه لايشعر بالكمال فيبحث عن ذات كاملة لها القوة والسلطان فيحتمى بها ,ومع تعدُد الأساطير الخاصة بقصة الخلق الأولى , تقول "د.نبيلة إبراهيم"

إنَّ مِثل هذا الحرص ينطوى على غرضٍ نفسي وربما لا شعوري وهو رغبة الإنسان الشعبي في الهروب من نطاق الزمن فيعود بذاكرته الشفاهية إلى الخلق الأول حتى يبرر وجوده وأيضًا موته , ومن هنا نجد أنْ من أقدم الأساطير التي صاغها الفكر الإنساني هيّ أساطير حول الخلق ونذكر هنا أكثر الأساطير شهرةً وهى الأسطورة المصرية القديمة إيزيس وأوزيريس تلك الأسطورة التي صاغها المصرى القديم وأستمرت معه مؤسسة لعقيدته الدينية لآلاف السنين وتلك الأسطورة ترتبط بشكل مباشر بقصة الخلق الأولى .

فهيّ تُعطى تفسيراً عن الـنشأة الأولى للعالم  , وتبعًا للمعتقد المصري نابعة من المحيط نون محيط المياه الأزلي ثم توالت عمليات الخلق إلى أنْ تصل بنا الأسطورة إلى صراع أزلى أخر وهو صراع الخير والشر فهذا الصراع يمثل موتيفًا ورمزًا حي نعيشه في كل مراحل حياتنا فهو صراع إنساني بين قوتين حولهما المصرى القديم إلى صراع بين حورس رمز الخير و ست رمز الشر وأحتدم الصراع بينهما إلى أن إنتهى بإنتصار الخير على الشر ولكن فكر المصري القديم قرر الأحتفاظ بالشر ولم يقضى عليه واكتفى بهزيمته فقط وذلك ليحارب الشرور و الكائنات التي ربما تُعكر صفو  منظومة الخير فالمصرى القديم أدرك منذ القدم إنَّ الشر يُحارب بالشر.

 وبهذه الأسطورة تكونت قراءاتٍ عديدة فإنتصار حورس يعنى توحيد المملكتين في مصر العُليا والسفلى سياسيًا ,اجتماعيًا يرمز إلى إعادة الحياة لأوزيريس في العالم السفلي بعد أن أنتصر حورس على ست فعاد أوزيريس للحياة وأصبح يرمز إلى الفيضان الذى يأتى بعده الوفرة و الخير والنماء , فبذلك تتوافر لدينا مجموعتين من الرموز واحدة للخير و أخرى للشر فعندما فقد حورس عينه أثناء صراعه مع الشر أرسلت له السماء عن طريق تحوت عينًا أخرى ومرت هذه العين بمراحل حتى عادت إلى بريقها الأول.

 ورمز المصرى للعينين بالشمس والقمر ولدينا رمزًا أخر وهو الثُعبان أو الحية فهي في الأسطورة تحمل الرمزيتين الخير والشر فهي الثعبان الضخم الذي لابد وأن يهزمه رع كل يوم حتى تُشرق شمسه في الصباح وهيّ أيضًا الكوبرا الحامية التي يضعها الملك في مقدمة التاج لتحميه مِن الشرور فهي التى تتصدر مركبة رع لتحارب كل الكائنات الشريرة , فرمزية العين والحية لهما أهمية ووجود فى تراث الشعوب .

ومن أهم الطقوس الاحتفالية التى وظفت هذا الصراع بين قوتين الخير و الشر هو طقس "السبوع" كما كان ويزال تحتفل به وتمارسه الجماعة الشعبية وهذا طقس الاحتفالي أسطورى بكل تفاصيله إذ تجتمع فيه الرموز و اللغه و الأداء لتسهم جميعًا في تكرار حدث موغل في القِدم وهو إبعاد القوى الشيطانية  ,فالطفل رمز الميلاد الجديد وإذا كانت الحبوب تُغربل كي تُنقى  فإن الطفل يكتسب هذه الخاصية عندما يُغربل معها ,ورمز الماء يدل على الخِصب و النماء وكان الماء الذي يوقع فى القلة أو الإبريق وماء حموم الطفل اختزالًا لهذا الماء الأزلي الذى خرجت منه الحياه ذات يوم.

وتكتمل رمزية الوفرة بالملح الذي تُصرِح الأغنية بوظيفته وتقول "يا ملح دارنا كتر عيالنا" فهو يحقق هذه الوفره بطرقٍ غير مباشرة لأنه يصيب العين الشريرة في عينها الحاسدة أما عن دق الهون فالقوى الشيطانية كما يقول "جيمس فريزر" تفزع مِن صليل النحاس وتهرب.

فالرموز هُنا حزمتين  الأولى تضم رموز الوفرة والنماء والغربال وحزمة تضم ما يفسد على القوة الشريرة فعلها و هى الملح ودق الهون و البخور ,وعلى هذا النحو حول الإنسان الشعبي أسطورة الصراع بين الشخوص الشيطانية و الشخوص الإلهيه إلى نمط خاص من القص ينغلق على الصراع الحسي بين قوتى الخير والشر و الفرق بين الأساطير القديمة وبين الحكايات الخرافية هو إنَّ الأسطورة مكانها المعبد  أمَّ الحكايات تتداول فى الحياة  ,وإذا كان في الأسطورة الإله يمثل الخير فهو فى الحكاية الشعبية يمثل فى البطل.

فكل الاحتفالات الخاصة بدورة حياة الإنسان ماهى إلا عادات طقسية لا تخلو من التأثر الموغل فى القدم النابع من أساطير العالم القديم .

كاسل الحضارة تنفرد بتفاصيل كشف كهف أثري جديد بشمال سيناء "كهف الظلمة"

كتب د. عبد الرحيم ريحان

كشفت بعثة منطقة آثار شمال سيناء برئاسة دكتور/ هشام محمد حسين مدير عام آثار شمال وجنوب سيناء  عن كهف أثرى جديد غير منشور من قبل، عثر  بداخل الكهف على مجموعات متنوعة وفريدة من المناظر المنحوتة في الصخر وذلك في أثناء أعمالها بوادي الظُلمة بمنطقة آثار شمال سيناء.

وصرح الدكتور هشام حسين لكاسل الحضارة والتراث أن رحلة الكشف تبدأ بمعلومة متداولة من فترة طويلة عن وجود كهف به مناظر لحيوانات، حيث تم التنسيق مع مشايخ القبائل الموجودين بالمنطقة ومع الجهات الأمنية لدخول المنطقة، والكهف يقع في بداية أحد روافد وادي الظُلمة (الظلمأ) في منطقة جبلية وعرة أحجارها من الحجر الجيري صعبة التضاريس على بعد 90 كم جنوب شرق مدينة القنطرة شرق.

وادي الظلمة

وأشار الدكتور هشام حسين إلى أن وادي الظلمة هو وادي طويل الي حد ما، يبلغ طوله حوالي 7كم ويغذي الوادي بالمياه خلال العصور المطيرة حوالي 8 روافد أكبرها الموجود فى النهاية الجنوبية للوادي. وهو الأول من نوعه الذي يتمّ الكشف عنه بمنطقة آثار شمال سيناء وهى مفاجاة بكل المقاييس حيث لم يكن من المتوقع بعد الدراسة المبدئية للنقوش أن يكون بالمنطقة مكان يحتوي على تلك النوعية وهذا العدد من المناظر والنقوش لحيوانات متنوعة. ويعتبر الكهف هو الأكبر في المساحة من كهف الزرانيج الذي تم تسجيله وتوثيقه والكشف عنه خلال شهر يناير من العام الحالي، ويبلغ عمق كهف وادي الظُلمة 15 مترًا

مناظر الكهف

ونوه الدكتور هشام حسين إلى أن ارتفاع سقف الكهف يبلغ  20 مترًا تقريبًا، سقف الكهف من الحجر الجيري الضعيف، الكهف من الداخل مملوء بكميات كبيرة من فضلات الحيوانات ورماد الحريق مما يدل على الاستخدام المستمر له خلال العصور المتلاحقة وربما استخدم كمأوى أو مشتى للسكان المحليين يلجأون إليه وقطعانهم للحماية من الأمطار والعواصف والبرد في فصل الشتاء.

وتابع بأن المناظر المحفورة والمنفذة داخل الكهف الأثري تختلف جملة وتفصيلًا من حيث  طريقة النحت عن تلك الموجودة والمنتشرة في وديان جنوب سيناء، حيث نفذت تلك المناظر بطريقة فنية متميزة ترتقي إلى النحت الغائر والمعروف خلال العصور المصرية القديمة ، المناظر الموجودة داخل الكهف نفذت في طبقات فوق بعضها البعض ومتداخلة مما يدل على استمرارية استغلال المكان لفترة طويلة، حيث يجرى الآن دراسة المناظر لتحديد تأريخها التقريبي وإن دلت بعض المناظر التي تم تحديدها والتعرف عليها على وجود علاقة وثيقة بين قاطني الكهف ومنفذي تل المناظر المحددة وبين عصر نقادة الثانية من عصر ما قبل الأسرات تحديدا 3500-3400 قبل الميلاد.

وأن أغلب المناظر المكتشفة منحوته بطول جدران الكهف الداخلية وهي تصوّر عددا من الحيوانات منها مناظر فريدة للجمال والغزلان والوعول والماعز الجبلي والعديد من مناظر الحمير وتم أيضًا تحديد بقايا مباني دائرية من الحجر تنتشر بها أداوت الظران على بعد 200م إلى الجنوب الغربي من الكهف المكتشف ، مما يرجح ان تكون بقايا مستوطنة قديمة. وجاري الآن الإعداد لموسم الحفائر التالي لتنفيذ أعمال تنظيف وصيانة ودرسة وحفائر محدودة للكهف.

"انطلق مدفع الإفطار"

كتب د. عبد الرحيم ريحان

اعتاد الصائمون منذ مطلع الرسالة على أن يرتبط إفطارهم وإمساكهم في أيام شهر رمضان بأذانى المغرب والفجر ورغم كثرة مساجد القاهرة ومآذنها فقد عرفت هذه المدينة مدفع الإفطار فى العصر المملوكى عام 859هـ / 1439م  وكانت أول مدينة إسلامية تستخدم هذه الوسيلة عند الغروب إيذانًا بالإفطار فى شهر رمضان

الصدفة

جاء ظهورالمدفع بمحض الصدفة ففى أول يوم رمضان عام 859هـ / 1455م كان والى مصر فى هذه الفترة الوالى المملوكي " خوشقدم" قد تلقى مدفع هدية من صاحب مصنع ألمانى فأمر بتجربته وتصادف ذلك الوقت مع غروب الشمس فظن سكان القاهرة إن ذلك إيذانا لهم بالإفطار وفى اليوم التالى توجه مشايخ الحارات والطوائف إلي بيت الوالى لشكره علي هديته لسكان القاهرة  فلما عرف الوالى الحكاية أعجب بذلك أيما إعجاب  وأمر بإطلاق المدفع عند غروب الشمس فى كل يوم من أيام رمضان  واستمر هذا الأمر إلى يومنا هذا

الحاجة فاطمة

ويشير الدكتور على أحمد أستاذ الآثار الإسلامية بكلية الآثار جامعة القاهرة |إلى رواية أخرى عن المدفع والتى ارتبط بها اسم (الحاجة فاطمة) ترجع إلى سنة 859 هـ/1455م ففى هذا العام كان يتولى الحكم فى مصر والٍ مملوكى يدعى (خوشقدم) وكان جنوده يقومون باختبار مدفع جديد جاء هدية للسلطان من صديق ألماني وكان الاختبار يتم أيضًا في وقت غروب الشمس، فظن المصريون أن السلطان استحدث هذا التقليد الجديد لإبلاغ المصريين بموعد الإفطار

ولكن لما توقف المدفع عن الإطلاق بعد ذلك ذهب العلماء والأعيان لمقابلة السلطان لطلب استمرار عمل المدفع فى رمضان فلم يجدوه والتقوا زوجة السلطان التى كانت تدعى (الحاجة فاطمة) التي نقلت طلبهم للسلطان فوافق عليه فأطلق بعض الأهالى اسم (الحاجة فاطمة) على المدفع واستمر هذا حتى الآن إذ يلقب الجنود القائمون على تجهيز المدفع وإطلاقه الموجود حاليًا بنفس الاسم

وتقول رواية أخرى مفادها أن أعيان وعلماء وأئمة مساجد ذهبوا بعد إطلاق المدفع لأول مرة لتهنئة الوالي بشهر رمضان بعد إطلاق المدفع فأبقى عليه الوالى بعد ذلك كتقليد شعبى

مدفع محمد على

وينوه الدكتور على أحمد إلى  أن والى مصر محمد علي الكبير كان قد اشترى عددًا كبيرًا من المدافع الحربية الحديثة فى إطار خطته لبناء جيش مصرى قوى وفى يوم من الأيام الرمضانية كانت تجرى الاستعدادات لإطلاق أحد هذه المدافع كنوع من التجربة  فانطلق صوت المدفع مدوياً فى نفس لحظة غروب الشمس وأذان المغرب من فوق القلعة فتصور الصائمون أن هذا تقليداً جديداً  واعتادوا عليه وسألوا الحاكم أن يستمر هذا التقليد خلال شهر رمضان فى وقت الإفطار والسحور فوافق وتحول إطلاق المدفع بالذخيرة الحية مرتين يوميًا إلى ظاهرة رمضانية مرتبطة بالمصريين كل عام

المدفع بالذخيرة الحية

استمر المدفع يعمل بالذخيرة الحية حتى عام 1859م  ولكن امتداد العمران حول مكان المدفع قرب القلعة  وظهور جيل جديد من المدافع التى تعمل بالذخيرة "الفشنك" غير الحقيقية  أدى إلى الاستغناء عن الذخيرة الحية كما كانت هناك شكاوى من تأثير الذخيرة الحية على مبانى القلعة الشهيرة  ولذلك تم نقل المدفع من القلعة إلى نقطة الإطفاء في منطقة الدرَّاسة القريبة من الأزهر الشريف ثم نُقل مرة ثالثة إلى منطقة مدينة البعوث قرب جامعة الأزهر

ويشير الدكتور على أحمد أستاذ الآثار الإسلامية بكلية الآثار جامعة القاهرة إلى وجود ستة مدافع  فى القاهرة حتى وقت قريب موزعة على أربعة مواقع  اثنان فى القلعة واثنان فى العباسية وواحد فى مصر الجديدة وآخر فى حلوان  تطلق مرة واحدة من أماكن مختلفة بالقاهرة  حتى يسمعها كل سكانها وكانت هذه المدافع تخرج فى صباح أول يوم من رمضان فى سيارات المطافئ لتأخذ أماكنها المعروفة ولم تكن هذه المدافع تخرج من مكانها إلا في خمس مناسبات  وهى رمضان والمولد النبوى وعيد الأضحى ورأس السنة الهجرية وعيد الثورة  وكان خروجها فى هذه المناسبات يتم فى احتفال كبير حيث تحمل على سيارات تشدها الخيول  وكان يراعى دائما أن يكون هناك مدفعان فى كل من القلعة والعباسية خوفا من تعطل أحدهما

وقد  توقف إطلاق المدفع فى بعض الأعوام بسبب الحروب مما أدى إلى إهمال عمل المدفع حتى عام 1983م عندما صدر قرار من وزير الداخلية المصرى بإعادة إطلاق المدفع مرة أخرى  ومن فوق قلعة صلاح الدين الأثرية جنوب القاهرة  ولكن استمرار شكوى الأثريين من تدهور حال القلعة وتأثر أحجارها بسبب صوت المدفع أدى لنقله من مكانه  خصوصًا أن المنطقة بها عدة آثار إسلامية هامة

ويستقر المدفع الآن فوق هضبة المقطم  وهي منطقة قريبة من القلعة  ونصبت مدافع أخرى فى أماكن مختلفة من المحافظات المصرية ويقوم على خدمة المدفع أربعة من رجال الأمن الذين يُعِدُّون البارود كل يوم مرتين لإطلاق المدفع لحظة الإفطار ولحظة الإمساك

جبل طارق حكايات وأسرار

كتبت – رحاب فاروق

فنانة تشكيلية

 أعدها للنشر د. عبد الرحيم ريحان

Gibraltar .."جيبرالتار ".. تحوير "جبل طارق". وهذه هى المدينة الوحيدة  اللي المطار بتاعها بقلب المدينة وبيتم غلق الطرق فيها أثناء إقلاع أو هبوط أي طائرة وبها تقاطع طريق المطار مع طريق رئيسي"جادة تشرشل" وهى خاضعة لسيادة بريطانيا برغ   وجودها بالأراضي الإسبانية قبل مايصبح حكمها ذاتياً ... ولكن"ظاهرياً"!!

كان الفينيقيون هم أوائل الشعوب التي استوطنت هناك منذ..950 ق.م بعدها أتي الرومان  وأسسوا مستوطنة وبقيت حتي سقوط الإمبراطورية الرومانية. ..ثم جاء بعدهم"الفاندال "wandal ثم ضُمت للمملكة الإسبانية....إلي أن أتي"الفتح الإسلامي عام "711م           كان اسمها "جبل كالبي "mons calpe...وبعهد الوليد بن عبد الملك ، عَبر المسلمون من المغرب بقيادة طارق بن زياد وصورة سيفه بمتحف مدريد حاليا وتم تحصين المنطقة لاحقًا....وماتزال آثار المدينة والسور واضحين....وظل "جبل طارق "Gibraltar "تابعاً لمملكة "غرناطة" عاصمة الأندلس آنذاك

..حتي سقطت غرناطة في يد الإسبان عام1492م.

..بعدها جاء دور اليهود وقد حولوا دينهم من اليهودية للمسيحيةالكاثوليكية

 بقيادة "بيدرو هريرا" ومعه 4350 يهوديا  ، وأقاموا دويلة استمرت 3سنوات ،  واستعادتها إسبانيا منهم ..عام1501م ...وأدخلتهم داخل البلاد ..لكنهم استطونوا بعد ذلك بطليطلة Toledo..حتى هذا الوقت

قبل مايتسمي  بجبل طارق....كان إسمه مضيق.. "أعمدة هرقل"  لوقوعه خلفه قارة اطلانتس الإسطورية الغارقة. ومن أجل إيقاف تحالف إسباني فرنسي..قد يؤثر علي ميزان القوي في أوروبا ...وحدت " بريطانيا وهولندا والنمسا " أساطيلهم....وقاموا بمهاجمة جنوب وغرب إسبانيا في1704م وبعد قصف 6 ساعات سقط جيبرالتار و وُقعت اتفاقية إستسلام..وسُمح فقط للإسبان بمغادرة المنطقة بسلام.

وأُرغمت إسبانيا علي توقيع معاهدة" أوترخت"..تخلت فيها عن جبرالتار لصالح بريطانيا وبشكل دائم..حاولت بعدها إسبانيا عام 1779م ولمدة 3سنوات  محاصرة الإقليم وبمساعدة ..المدفعية الفرنسية...إلا أن الإسطول البريطاني تمكن من فك الحصار..وأقام قاعدة له للتحكم بالبحر المتوسط  ولحماية مصالح بريطانيا..لأنه الطريق المؤدي لمستعمراتها في الهند واستراليا.

وفي عهد فرانكو..أعادت إسبانيا إثارة المشاكل حول التبعية.. وتم عمل إستفتاء عام1967م..من أجل الإختيار  إما البقاء تحت السيادة البريطانية أو الإنتقال لسيادة إسبانيا)....واختار السكان و بالأغلبية البقاء تحت السيادة البريطانية

وفي عام 1981عاد "جيبرالتار" لمحور الأحداث مع إعلان  الأمير تشارلز وزوجته دايانا .. برغبتهم في قضاء شهر العسل فيه. مما أدي لمقاطعة ملك إسبانيا "خوان كارلوس وزوجته الملكة "صوفيا " مراسيم الزواج ،   ظل "جبرالتار" مستعمرة  بريطانية حتي عام 1981     إلي ان أصبح بعدها منطقة حكم ذاتي..فطالبت إسبانيا باستعادة المنطقة..ولكن بريطانيا رفضت....وأعلنت  ان الحكم الذاتي لا يلغي انتمائها للتاج البريطاني وفى عام 2002 حدث إستفتاء  ثاني....وحمل نفس نتيجة الأول لأن سكان المنطقة معظمهم بريطاني الأصل.

ارتفاع الجبل 426م فوق مستوى سطح البحر ويسكن المنطقة 32.194  نسمة أغلبهم من الروم الكاثوليك72% ،و7%لا دين لهم ،3%مسلمين  2%هندوس ،2% يهود وقلة"بهائيين"!!! .. لغتهم الإنجليزية وهي لغة الحكومة والتجارة والتعليم ووسائل الإعلام....ويتحدثون ال "ليانيتوس" وهي عامية فريدة  ومزيج من الأندلسية و الإنجليزية و بعض الكلمات المالطية و البرتغالية. عملتهم .."جنيه جيبرالتار " أي الجنيه الإسترليني

مساحة المنطقة 6.8كم انضمت للإتحاد الأوربي عام 1973م

وقد قمت بتصوير كل معالمه بنفسى أثناء زيارتى للمنطقة

 

 المراجع

https://www.geodatos.net/coordenadas/gibraltar

^  

 "صفحة جبل طارق في خريطة الشارع المفتوحة".OpenStreetMap. اطلع عليه بتاريخ 29 يونيو 2019.

^ "Census of Gibraltar" (PDF). Gibraltar.gov.gi. 2012. اطلع عليه بتاريخ 03 أغسطس 2017.

^ "ذاكرة القافلة.. جبل طارق والعرب".

الموقع الرسمي لحكومة جبرلتار

جوانبٌ من تُراثِ التَكرُور الإِسلَاميّ بمدينةِ القَاهِرة

كتب د. إسماعيل حامد إسماعيل علي

   باحث في تاريخ أفريقيا الوسيط

المقدمة:

صارت مدينةُ القاهرة قبلة الُزوار القادمين إلى أرض مصر من كل بقاع القارة الأفريقية خلال "التاريخ الوسيط" لاسيما بعد أن انتقلت "الخلافة الإسلامية" إليها أيام "دولة المماليك" (648-923هـ). كما ازدادت أهميةُ المدينة، وذاع صيتُها في شتى بلاد العالم الإسلامي، بفضل عدة عوامل منحتها تلك الخُصوصية بين سائر المدن الإسلامية آنذاك، ولعل منها: "رحلة الحج" التي كان يقوم بها الحُجاج الأفارقة إلى الحجاز، وكان عليهم أن يتوقفوا بالقاهرة انتظارًا لـ"موكب الحج" المصري، وكذلك بفضل "الأزهر الشريف" الذي أضحى منارة العلم والعلماء في العالم الإسلامي منذ تأسيسه سنة 359هـ، وكان ذلك في ذات السنة التي بُنيت فيها القاهرة([1]). وكان أهلُ التكرور، ويُقصد بهم في الغالب سكان غرب أفريقيا، من أكثر شعوب الممالك الأفريقية في جنوب الصحراء التي أقبلت على القدوم إلى القاهرة في طلبً للحج، أو طلبًا للعلم، أو لمآرب أخرى، ومن ثم استقرت أعدادٌ كبيرةٌ منهم بالقاهرة، وصار لهم حيٌ حمل اسمهم، وهو "حي التكرور"، أو "بولاق التكرور" الذي صار بعد ذلك: "بولاق الدكرور"، وغير ذلك من مظاهر التُراث التكروري الموجود بالقاهرة، وهو الموضوعُ الرئيس لهذه المقالة التي تُحاول الغوص في "تراث التكرور"، وإماطة اللثام عما تركه هذا الشعب الأفريقي المسلم من تأثيراتٍ جلية لا تُحطئها العين في هذه المدينة الإسلامية العتيقة، وهو ما يُضيف تنوعًا ثقافيًا، وتراثيًا، وكذلك ديموجرافيُا فريدًا بمدينة القاهرة، وهو ما يشهدُ دون مراء لهذه المدينة العظيمة، وأهلها بمقدرة لافتة على احتواء الآخر. وسوف تتناول هذه المقالةُ ذلك الموضوع من خلال المحاور التالية:

أولاً- نُبذة عن بلادُ التكرور.

ثانيًا- حُّي بُولاق التكرور بالقاهرة.

ثالثًا- قدوم عُلماء التكرور إلى القاهرة.

رابعًا- جامع وضريحُ الشيخ التكروري بالقاهرة.

خامسًا- مدرسة التكرور بالقاهرة.

سادسًا- رُواق التكرور بالأزهر الشريف.

أولاً- نُبذةٌ عن بلادِ التَكرور:

يُعتقد أن تسمية "التكرور" في الأصل أطلقتها جماعاتٌ من "صِنهاجة"، وهي قبيلةٌ بربريةٌ استقرت في مناطق شمال أفريقيا، وبلاد المغرب منذ ما قبل الإسلام، ثم هاجرت جماعاتٌ من صنهاجة إلى بلاد "التكرور" بعد استقرار الإسلام في بلاد شمال أفريقيا([2]). وكان اسمُ "التكرور" يُشير بدايةً إلى تجمعاتٍ قروية في إحدى الإمارات الواقعة في أقصى شمال "السودان الغربي"، وغير بعيدٍ عن مَصبِ "نهر السنغال"([3])، وهو ثاني أكبر الأنهارٍ في مناطق غرب أفريقيا بعد "نهر النَيجر"([4]). وتذكر المصادرُ أن أول ملك تكروري اعتنق الإسلام، كان يُدعى: "وارجابي بن رابيس"([5])، وهو يُعتبر في ذات الآن أقدم الملوك في تاريخ بلاد "السودان الغربي" (غرب أفريقيا) الذين أسلموا قبل  قدوم "المُرابطين" (448-541هـ) إلى هذه البلاد، أو ما يُعرف بمرحلة "الغزو المرابطي" لبلاد السودان الغربي([6]). ويذكر المؤرخ القلقشندي (ت: 821هـ)، وغيره من المؤرخين القدامى بلاد غرب أفريقيا باسم: "بلاد التكرور"([7]).

كما يُفرق "القلقشندي" بشكلٍ واضح بين مدلول كل من "مملكة مالي" و"بلاد التكرور"، ومن ثم يُحدد أيضًا موقع هذه البلاد، حيث يذكر "القلقشندي" أن "بلاد التكرور" تقع إلى الشرق من "إقليم كوكو"([8]). وهذا الإقليمُ الأخير من الأقاليم الكبرى في غرب أفريقيا([9]). وعلى أية حال يُكتب اسم "بلاد التكرور" بفتح "التاء" المُثناة فوق، وسُكون "الكاف"، وضم "الراء" المُهملة، وسُكون "الواو"، ثم "راء" مُهملة  في الآخر([10]). ويُرجح الباحثُ أن اسم "بلاد التكرور" كان يُطلق بصفةٍ عامة على كلٍ من "مملكة مالي" (596-874هـ)، و"مملكة صُنغي" (777-1000هـ)، وكذا "بلاد الكانم" أيام "دولة المماليك" (648-923هـ)، وهو الأمرُ الذي يتضحُ بشكلٍ جلي من خلال روايات أكثر مؤرخي عصر المماليك القدامى، وحتى المتأخرين منهم. ومن اللافت قلة استخدام اسم "مالي" أو "صُنغي" على السواء في أكثر المصادر التي تُؤرخُ إلى تلك الحقبة، سواء لدى مؤرخي المماليك المُتقدمين منهم، أو حتى من جانب المُتأخرين منهم([11]). ومن المعلوم أن لفظ "التكرور" يُشير لأحد الأقاليم الموجودة في بلاد غرب أفريقيا، ويوجد موضعه الآن ضمن آراضي دولة "السنغال" بالتحديد، ثم ذاع هذا الاسم (أي التكرور) بعد ذلك بفضل التجار العرب، وصار يُطلق على كل البلاد الواقعة في غرب أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وحتى تلك الموجودة في بلاد البسودان الأوسط (تشاد حاليًا)، مثل "بلاد الكانم".

ومن أبرز المؤرخين الذين ذكروا اسم "التكرور"، سواءً للإشارة إلى مملكتي "مالي"، أو "صنغي"، أو على سبيل الإشارة إلى ملوك وحُكام هذه البلاد، والذي يرد باسم "ملك التكرور"، أو "سُلطان التكرور": "العُمري" (ت: 749هـ)، و"ابن كثير" (ت: 774هـ)، و"القلقشندي" (ت: 821هـ)، و"المقريزي" (ت: 845هـ)، و"الحافظ ابن حجر" (ت: 852هـ)، ويبدو ذلك واضحًا في حديثهم عن السلطان "منسا موسى" (712-738هـ)، وهو صاحب رحلة الحج المشهورة إلى بلاد الحرمين، وهو "سلطان مالي" ذائع الصيت، وهو الذي تذكره أكثر المصادر المملوكية بأنه: "ملك (أو سلطان) التكرور"([12]). وكذلك أورد ذات الاسم "جلال الدين السيوطي" (ت: 911هـ)، وهو يُعتبر من مُتأخري مؤرخي عصر المماليك، لما تحدث عن "سلطان صُنغي" في أيامه، وهو السلطان "أسكيا محمد" (899-935هـ) والذي دعاه باسم: "سلطان التكرور، ولما زار "السيوطي" بلاد السودان الغربي دعاها أيضًا بذات الاسم، حيث يذكر في ترجمته: "وسافرتُ بحمدِ الله تعالى إلى بلاد الشام، والحجاز، واليمن، والهند، والمغرب، والتكرور.."([13]).

وعلى هذا لم يستخدم "السيوطي" لفظ "سلطنة صُنغي"، وهي السلطنة الإسلامية الكبرى المعروفة آنذاك، والتي كانت تسيطر على أكثر البلاد في غرب أفريقيا في ذلك الوقت. كما أن السيوطي ألف بعد ذلك "رسالةً" في العلوم الشرعية رداً على بعض "الأسئلة الفقهية" التي كانت قد جاءته من علماء وفقهاء بلاد غرب أفريقيا، وقد دعا "السيوطي" تلك الرسالة باسم: (فَتح المَطلَب المَبرور، وبَردِ الكَبِد المَحرور فى الجوابِ عن الأسئلةِ الواردةِ من التَكرور)([14])، وهو ما يؤكد ذات الاتجاه الذائع لدى مؤرخي عصر المماليك في استخدام لفظ "التكرور".

بل إن مؤرخي "السودان الغربي" يستخدمون هذه التسمية في مؤلفاتهم، ومن ذلك المؤرخ "ابن الطالب البرتلي" (ت: 1219هـ) في كتابه المعروف باسم: "فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور"([15])، ورغم أن أكثر العلماء والفقهاء من غرب أفريقيا الذين ترجم لهم "البرتلي" كانوا من "مملكة صُنغي". وعلى هذا، فلم يكن اسم "التكرور" ذائعًا في بلاد المشرق الإسلامي فحسب، بل كان معروفًا في بلاد السودان الغربي ذاتها. أما النسبةُ لهذه البلاد، فهي: "التكروري" (أو تكروري). ومما قيل عن هذه البلاد في روايات المصادر، يقول "الحِميري" (ت: حوالي سنة 727هـ) في روايته: "تكرور: مدينةٌ في بلاد السودان بالقُرب من مدينة صنغانة (يُقصد: سلطنة صُنغي)، على النيل (أي: نهر النيجر).."([16]). وتذكر المصادرُ التاريخية من ناحيةٍ أُخرى أن القوافل التجارية كانت تُسافر إلى مدينة "تكرور" عبر دروب "الصحراء الكبرى"  قادمةً من أسواق بلاد المغرب، وكانوا يحملون معهم العديد من البضائع والسلع لهذه البلاد، بينما كانوا يحملون من بلاد "التكرور" التبر (الذهب)([17])، وهو ما يُشير إلى ارتباط هذه البلاد بالذهب أيضًا. بينما يذكر المؤرخ "القلقشندي" (ت: 821هـ) عن مدينة "تكرور"، باعتبارها حاضرة الحكام في هذه البلاد، إذ يقول عن أحد الحكام هناك: "وقاعدته مدينة تكرور..وهي مدينةٌ على النيل (يقصُد: نهر النيجر) على القرب من ضفافه أكبر من مدينة سلا من بلاد المغرب.."([18]).

وتُشير بعضُ المصادر إلى (بلاد التكرور)، وتُحددها بأنها تُمثل "الإقليم الخامس" من أقاليم "مملكة مالي"([19])، وهنا يبدو الغاية من ذلك للتفريق بين كل من لفظي "بلاد التكرور"، و"مملكة مالي"، وكذا دلالة كل منهما، وهو ما يؤكد أن "التكرور" ليست إلا أحد الأقاليم التي تقع ضمن تخوم "مملكة مالي"، ثم أُطلق لفظ الجزء (أي: التكرور) على الكل (أي: مملكة مالي)([20]). ومن المعروف أن عدد الأقاليم في "مملكة مالي" ومن بينها "إقليم التكرور" كان يبلغ 14 إقليمًا، وقيل: إن عددها كان يبلغ 15 إقليمًا([21])، وهذا على غرار اختلاف عدد الولايات أو الأقاليم الإدارية في أي من البلاد من وقت لآخر، وهذا يحدث حتى في أيامنا. وتذكر بعضُ المصادر أن سلاطين مالي كانوا يغضبون إذا ناداهم البعضُ باسم "ملك التكرور"، لأنهم يرون أن ذلك تقليلاً من شأنهم، لأن "التكرور" إقليمٌ من بين الأقاليم في بلادهم"([22]). وعن ذلك يقول العُمري (ت: 749هـ): "عند أهل مصر بملك التكرور، ولو سمع (أي منسا موسى) هذا أنف منه، لأن التكرور إنما هو إقليم من أقاليم مملكته، والأحب إليه أن يُقال: صاحب مالي.. ([23]). ومن أجل التعرف بشيءٍ من الإيجاز على حياة "التكاررة" (أو التكارنة)، وهم سكان بلاد التكرور، وبعض عاداتهم وتقاليدهم، كالطعام والثياب..الخ. فالطعام الذائع لدى أهل "التكرور"، فكان في الغالب: السمك، والذرة، واللبن، وكانت أكثر المواشي التي يُقبلون على تربيتها: الإبل، والماعز([24]). أما لباسُ العامة في هذه البلاد فكان في الغالب "الصوف"، وكان السكان في بلاد التكرور يضعون على رؤوسهم  كرازي الصوف، أما لباس كبار رجال القوم والخاصة منهم: فكان أبرزها "المآزر"، وكذلك الثياب المصنوعة من القطن([25]).

ثانيًا- حّي بُولاق التَكرور بالقاهرة:

شهدت العلاقاتُ بين كلٍ من حكام مصر من جانبٍ، وبلاد التكرور وملوكهم، وكذلك شعوبهم من جانب آخر تطوراً لافتًا إبان "العصر الإسلامي"، ويُعتبر عصرُ سلاطين المماليك (648-923هـ) من أكثر العصور الإسلامية ازدهاراً  في مصر، وكذلك في بلاد الشام، حيث انتقلت "الخلافة العباسية" في ذلك الوقت لمدينة القاهرة  أيام السلطان "الظاهر بيبرس" (658– 676هـ)، وسبب ذلك سقوط بغداد عاصمة الخلافة (العباسية) على أيدي المغول (التتار) سنة 656هـ، ومن ثم صارت القاهرة أيام دولة المماليك الحاضرة الكُبرى للإسلام"([26]). ولعل كلام ابن خلدون (ت: 808هـ) لما وصل القاهرة للمرة الأولى: "فانتقلت إلى القاهرة أول ذي القعدة، فرأيت حضرة الدنيا، وبستان العالم، ومحشر الأمم، ومدرج الذر من البشر، وإيوان الإسلام، وكرسي الملك.."([27]). كما لعب الأزهر دورًا مهما في تأكيد مكانة القاهرة في ذلك الوقت، حيث صارة منارة العلم والعلماء آنذاك([28]). ومن ثم كان العلماء وطلبة العلم يحرصون على القدوم إلى القاهرة، ومنهم من آثر الاستقرار بها، وكان منهم بالطبع طلاب العلم القادمين من "بلاد التكرور". ومن جانب آخر كان موكب الحج المصري يستقطب أعدادًا كبيرة من شعوب أفريقيا للقدوم إلى القاهرة لمرافقة موكب الحج. ويرى الباحثُ أن "التكاررةُ" (أو التكارنة)، وهم سكان "بلاد التكرور"، كانوا من أكثر الشعوب التي كانت تسكن الممالك الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى حرصًا على الاستقرار بالقاهرة مدة من الزمن، وذلك يبدو جليا من خلال الجاليات التكرورية التي أقامت بالقاهرة. وكانت تلك المدة تختلف حسب كل واحدٍ منهم، والغاية التي جاء من أجلها، فمن هؤلاء "التكاررة" من أتى مرافقاً لـ"موكب الحج" المصري الذي كان يبدأ من القاهرة، ومن ثم يذهب تحت إمرة "أمير الحج" إلى بلاد الحرمين الشريفين([29]). بينما كان البعضُ الآخر من شعب التكرور يأتي للقاهرة من أجل طلب العلم، وليأخذ العلوم الدينية والشرعية على أيدي كبار علماء مصر الذين يصفهم ابنُ خلدون بأنهم كواكب الدنيا([30]).

وقد كان من "التكاررة" من يُؤثر الإقامة بالقاهرة بعد ذلك، ومن ثم لم يعد إلى بلاده مرة أُخرى. وعلى هذا، تكون بمرور الوقت مجتمعٌ غير قليل، أو لنقل "جاليةٌ" مُعتبرةٌ من أهل التكرور بمدينة القاهرة، وزاد اندماج "التكاررة" بأهل مصر لاسيما بالقاهرة التي آثرها أكثر أهل التكرور أكثر من غيرها من مدن مصر. ومن ثم كان منطقيًا أن يترك هؤلاء "التكاررة" تراثًا أفريقيًا إسلاميًا اضحا بمدينة القاهرة، وقد كانت ولاتزال لهؤلاء "التكاررة" جوانبٌ من تُراثهم الأفريقي الأصيل شاهدةً عليهم، وعلى تأثيرهم في المجتمع المصري عبر الحقب الإسلامية المتعاقبة، وحتى يومنا هذا، ومن ثم وجد بالقاهرة حيًا يحمل اسم "التكرور"، ومساجد، وكذا أضرحة لثُلةٍ من أعلام التكاررة الذين استقروا بالقاهرة..الخ. وقد تركز كثيرون من "التكرور" في الغالب فى أحد أحياء القاهرة أكثر من غيره، وقد صار بذلك الحي "جاليةٌ تكرورية" غير قليلة، ولهذا صار هذا الحي بالقاهرة يُعرف بـ"حى التكاررة"، أو "حى التكرور"، وهو ذاتُ الحي الذى أضحى بعدئذ يُعرف باسم: "بولاق التكرور"، أو "بولاق الدكرور"، أو "الدكروري"، وحتى يومنا هذا. ويذكر "المقريزي" (ت: 845هـ) هذا الحي باسم "بولاق التكروري"([31])، وكذلك يذكره غيره من مؤرخي الخطط مثل "على باشا مبارك" (ت: 1893م) الذي يتحدث عن هذه الحي في خُططه المعروفة بذات الاسم([32]). وللتأكيد على ارتباط هذا الحي بالتكرور، تُشير المصادرُ إلى أن اسم هذا الحي (أي: بولاق التكروري) اشتُهر بذلك نسبةً لأحد الشيوخ من "أصول تكرورية"([33]).

وعن حي "التكاررة" بمدينة القاهرة، يقول المقريزي: "ناحية بولاق التكرور، وهذه الناحية من جملة قرى الجيزة، كانت تُعرف بمنية بولاق، ثم عُرفت ببولاق التكرور.."([34]). وتؤكد روايةُ المقريزي، وغيرها من روايات المصادر الأُخرى، انتساب هذا الحي، وتسميته نسبة لأحد "التكاررة" الذين كانوا قد استقروا بالقاهرة، وتحديدًا المنطقة التي عُرفت بعد ذلك بـ"بولاق التكرور"، وكان هذا الشيخ يُدعى باسم: "أبومحمد يوسُف بن عبدالله التكرورى"، وكان  فى الأصل من سكان "بلاد التكرور"، ثم قدم إلى أرض مصر أيام "الدولة الفاطمية" (358-567هـ)، ثم طاب المُقام للشيخ "يوسف التكروري" بمدينة القاهرة، وآثر أن يُقيم بها بعدئذٍ، وألا يعود لبلاد "التكرور" مرةً أُخرى، ثم حملت هذه المنطقة التي استقر بها، هو وغيره من "التكاررة" باسم بلادهم([35]). وسوف نُفيض في الحديث عن حياة الشيخ التكروري بعد ذلك خلال حديثنا عن علماء التكرور ممن أقاموا بالقاهرة، وكذلك في حديثنا عن مسجده، وضريحه. ومن جانبٍ آخر فقد انخرط الكثيرون من أهل "التكرور" بشتى مجالات الحياة في مصر، ويمكن القول بأنهم تمصروا، وأضحوا مصريين بمرور الزمن رغم أصولهم "التكرورية"([36]).  

وكان من أهل "التكرور" من انضم للخدمة في الجيش، ومن أبرز تلك النماذج التكرورية التي تمصرت قلبًا وقالبًا إذا جاز لنا القول، شخص يُدعى باسم: "عنـبر التكـرورى"، وكـان يعيـش أيام عـددٍ من سـلاطين المماليك، مثل: السلطان "جقمـق" (1438-1453م)، والسلطان "الأشـرف قايتباى" (1468-1498م). وترقـى "عنبر التكرورى" حتى صار مقدماً فى الجيش([37]). وبرى الباحثُ أن "عنبر التكروري" كان جيلاً متأخرًا من "التكاررة" الذين استقروا بمصر، أي أن أجداده كانوا قد هاجروا إلى مصر، وعاشوا بها مدةً من الزمن، ثم ولد "عنبر" بعد ذلك بمصر لأسرة تكرورية الأصل، ولانعلم على أية حال إلى الأجيال التكرورية المهاجرة ينتسب. وعلى أية حال تذكر المصادر أنه انضم للجيش المصري، وخدم به، ومن ثم أظهر براعة في خدمته، ثم ترقي في الدرجات العسكرية العليا([38]). ورغم ذلك الامتزاج  بين أهل التكرور والمصريين، إلا أن "التكاررة" احتفظوا في ذات الوقت باسم "التكرورى" تأكيدًا على أصولهم الأفريقية. وعن شخصية "عنبر التكروري"، يقـول "ابن إيـاس" (ت: 930هـ): "وفى شـوال، قـرر عنبر التكرورى فى نيابـة  تقـدمة المماليك، ثـم بقـى من بعـد ذلـك مُقـدم الممالـيك.."([39]).

ثالثًا- قُدوُم عُلماء التكرور إلى القاهرة:

ربطت العديدُ من الوشائج العلمية بين علماء بلاد التكرور والعلماء المصريين، وكان علماءُ "التكرور" يحرصون على التواصل العلمي مع علماء مصر الذين ذاع صيتهم في ربوع العالم الإسلامي إبان حقبة "العصر الوسيط". وتتحدث المصادرُ عن عدد من علماء التكرور الذين نالوا العلم بمصر([40]). كما أن عددًا منهم كان يحرص على التواصل مع كبار العلماء بمصر، فكان علماءُ التكرور يرسلون بما يعنُ لهم من تساؤلات فقهية وشرعية لعلماء مصر حتى يفتوهم في تلك الأمور، وذلك لثقة علماء التكرور بالمصريين. ومن المعروف أن السلطان "أسكيا محمد" (899-935هـ) "ملك التكرور" كان قد أراد من الإمام "السيوطى" (ت: 911هـ)، وكان أشهر علماء مصر في ذلك الوقت، أن ينشر علمه فـى "بلاد التكرور"، لاسيما وأن كتب "السيوطي"، ومصنفاته كانت رائجةً فى بلاده. وكان علماء التكرور يقومون بتدريس كتبه، ومنهم من قام بعمل شروح لكتب "السيوطي". ومن ثم كان من الطبيعي أن يقوم علماء التكرور الكبار بمراسلة الإمام السيوطى، ومن ذلـك قيام الفقيه التكروري "أحمد بابا التنبكتي" بعمل شرح لـ"ألفية السيوطى"، وسماها باسم "المنح الحميدة فى شرح الفريدة"[41].

كما يتحدث المؤرخُ عبدالرحمن السعدي (ت: حوالي سنة 1655م)، صاحب "تاريخ السودان"، عن أحد علماء التكرور واسمه "العاقب بن عبدالله الأنصمني" بأنه أخذ العلم عن الإمام السيوطي[42]. وكان علماء التكرور يبعثون إلى السيوطى بالأسئلة الفقهية وتضم أمورًا شرعية، وكذلك كان بها بعض الفتاوى، وليسألـوا عما شق عليهم من أمور الدين. وقـد صنف السيوطى فى ذلك رسالـة شهيرة، ضمنها أجوبتـه على تساؤلات علماء التكرور، ودعاها باسم: "فَتحُ المَطلَب المَبرور، وبـَرد الكَبد المَحرور، فى الجوابِ عن الأسئلـةِ الـواردةِ من التَكرور"[43]. وفي موضع آخر من كتاب "السيوطي" عن هذه الرسالة الفقهية التي أرسلها لعلماء التكرور، وقد جعلها باسم: "مطلب الجواب بفصل الخطاب"[44]. وكانت تلك الرسالة ردًا من "السيوطي" على أسئلة الفقيه التكروري "شمس الدين بن محمد اللمتوني"[45].

ويُفهم من كلام السيوطي لهذا الفقيه (التكروري) أنه فيما يبدو يعرفه معرفةً شخصية، وهو ما يظهر بشكلٍ واضح من صيغة الكلام بين كليهما، وكذا مقدار الود الذي يحمله له "السيوطي"، ونعوته، ولعل من ذلك قوله له بصفة الحبيب، والأخ، وكذلـك وصفه له بالصلاح، وكذلك تقدير "السيوطي" لعلم الفقيه التكروري، حيث يقول في وصفه: "الشيخ، العالم، الصالح.."[46]. ويرى الباحثُ أن ذلك يُشير فيما يبدو إلى أن العلاقة بين العالمين المصري والتكروري كانت قد زادت ارتباطًا بعد أن زار "السيوطي" بلاد التكرور، وهو ما يذكره "السيوطي" في ترجمته المعروفة التي أوردها في كتابه "حُسن المُحاضرة"([47]). وهو ما يبدو من سياق الحديث في هذه الرسالة الفقهية. وحسب هذه الرسالة، يذكر "السيوطي" أنه كتبها، وبعث بها إلى الفقيه التكروري في شهر شوال، من سنة 898هـ[48]. وفي الغالب كانت تلك الزيارة العلمية فيما يرى الباحثُ بناء على دعوة من السلطان "أسكيا محمد" ملك التكرور لجلال الدين السيوطي، وهو ما شجع الفقيه المصري على القيام بهذه الرحلة العلمية. ومما لاريب فيه أن تلك الزيارة قد زادت من شهرة الإمام "السيوطى"، ورواج كتبه، وعلمه فى "بلاد التكـرور".

ويبدو أنه كـان لهذه الزيارة العلمية التي قام بها "السيوطي" إلى بلاد "التكرور" صدى كبيرًا بين كبـار علماء مصر، فشجعت الكثيرين منهم على الذهاب إلى تلك المملكة الأفريقية النائية خدمة لـدين الله، ولنشر العلوم الدينية والشرعية بين شعوب هذه البلاد المسلمة. ومن جانب آخر حرص كثيرون من علماء التكرور على القدوم لمدينة القاهرة، مدينة العلم في ذلك الوقت، وتعج كتب التاريخالتي دونها مؤرخو بلاد التكرور ذاتها بأسماء كبار العلماء في بلادهم الذين أقاموا بالقاهرة، وجاءوا طلبًا للعلم، وبالطبع كان الكثيرُ منهم يستفيد من رحلة الحج، وانتظار خروج "موكب الحج" من القاهرة للتعلم على ايدي علماء مصر[49]. ومن علماء التكرور الذين زاروا القاهرة الفقيه "أحمد بن عمر أقيت" (ت: 942هـ)، وهو من كبار علماء التكرور، وشغل منصب "قاضي تنبكت" (تمبكتو)، وكذلك "قاضي ولاتن"[50]، وهي من مدن التكرور المعروفة، وينتسبُ هذه الفقيه لـ"أسرة أقيت" العلمية المشهورة، والتي أنجبت أشهر فقهاء وعلماء "تنبكت"[51]. وقد حج الفقيه التكروري سنة 890هـ، وأقام بمدينة القاهرة مدة، ولقي بها الإمام "السيوطي"، والإمام "الأزهري" النحوي المعروف، وغيرهما من كبار العلماء بمصر[52].

وعن قدوم هذا الفقيه التكروري لمدينة القاهرة، يقول السعدي: "شرَّق (أي ذهب لبلاد الشرق) في تسعين وثمانمائة، وحج، ولقي الجلال السيوطي، والشيخ خالد الوقاد (الأزهري) إمام النحو، وغيرهما.."[53]. ويقصد المؤرخ "السعدي" هنا أن الفقيه "أحمد أقيت" كان قد أخذ العلم عن الإمامين المعروفين "السيوطي"، و"الأزهري"، وكذلك عن غيرهما من كبار العلماء بمصر في أيامه. وكان من أبرز علماء التكرور الذين جاءوا لمدينة القاهرة أيضًا، الفقيه: "محمود بن عمر بن محمد أقيت (التنبكتي) (ت: 955هـ)، وهو أخو الفقيه "أحمد بن عمر أقيت" الأصغر[54]. ويُوصف بأنه كان من كبار "قُضاة تنبكت"، وأحد أعلام الفقه في بلاد التكرور[55]. كما أنه لعلو مكانته في بلاد التكرور حمل لقب: أبي البركات، وكذلك "شيخ الإسلام"[56]. وقد زار الفقيه "محمود بن عمر أقيت" القاهرة سنة 915هـ خلال رحلته للحج، والتقى بكبار علماء مصر آنذاك[57]. وكان قدوم هذا الفقيه التكروري للقاهرة في العام 15 من حكم أسكيا محمد (899-935هـ) سلطان صنغي، والمشهور بلقب "سلطان التكرور"[58].

ومن جانبٍ آخر، كان أمرًا منطقيًا أن يستقر عددٌ من علماء التكرور بمدينة القاهرة استقرارًا تامًا بمرور الزمن، وأن يبقوا بها حتى موتهم، وقد نال عددٌ منهم صيتًا كبيرًا. وكان من أبرزهم الشيخ "يوسف التكروري" الذي ذكرنا نتفًا من شأنه آنفا، وهو الذي حمل "حي التكرور" بالقاهرة اسمه حتى يومنا، وكان هذا الشيخ قد ذاعت شهرته، ونال مكانةً دينيةً واسعة بين عوام الناس على الأخص. وكان الشيخ "التكروري" ممن عُرف بين الناس بالتقوى، والصلاح، وهو ما يبدو جليًا في ثنايا الروايات القليلة التي تحدثت عنه. ويعتبر تقي الدين المقريزي، و"علي باشا مبارك" من أكثر المؤرخين الذين تحدثوا عن ترجمته([59]).

وكان الشيخُ "يوسف التكرورى" يعيشُ بمدينة القاهرة في عصر "الدولة الفاطمية" (358-567هـ)، وتحديدًا خلال فترة حكم "العزيز بالله" (نزار) (365-386هـ)، وهو ابن المعز لدين الله الفاطمي (365– 386هـ)([60]). وقد عُرف هذا الشيخ "التكروري" بأنه من أصحاب الكرامات، ومما ورد في المصادر التاريخية عن كراماته، يقول المقريزى: "وكان يُعتقد فيه (أي الشيخ) الخيرُ، وجُربت بركةُ دعائه، وحُكيت عنه كراماتٌ كثيرة.."([61]). كما تروي المصادر التاريخية بعضًا من كرامات الشيخ التكرورى، وبعض تلك الكرامات ارتبط أيضًا بـ"التكاررة" (أو السودانيين) الذين كانوا يعيشون فى "حى التكرور"  فى ذلك الوقت([62]).

ومما حكي عن الشيخ التكروري، وكراماته بالقاهرة: أن إمرأةً خرجت من مدينة مصر (أي: القاهرة) تريدُ البحر (لعله يقصد: نهر النيل) فأخذ السودانُ (وهم أهل التكرور) ابنها، وساروا به فى مركب، وفتحوا القُلع فجرت السفينة، عندها تعلقت المرأة بالشيخ "يوسف التكروري"، وأخذت تستغيثُ به، فخرج لها الشيخُ من مكانه حتى وقف على شاطىء نهر النيل، ثم دعا الله سبحانه وتعالى، فسكنت الريحُ، ووقفت السفينةُ عن السير، فنادى الشيخ من فى المركب يطلب منهم الصبى، فدفعوه إليه، ثم ناول الشيخُ الطفل لأمه([63]).

سكن جماعة أخرى من علماء التكرور في بعض المدن والأقاليم المصرية الأخرى، ولم تكن إقامتهم حكراً على مدينة القاهرة، وبولاق التكروري وحدهما، حيث  تتحدث بعض المصادر التاريخية عن شيوخ آخرين من "التكاررة" الذين عاشوا بمصر، ولعل منهم الشيخ: "فاتح بن عثمان التكروري"، وهو الذي يلقب بـ"الأسمر"، وذلك إشارة إلى أنه كان من أصل تكروري، وأنه جاء من مدينة مراكش بالمغرب الأقصى، ثم استقر به الحال في "دمياطبعد ذلك([64]).

رابعًا- جامعُ وضريحُ الشيخ التكروري بالقاهرة:

 لما مات الشيخُ "يوسف التكروري" بمدينة القاهرة، أقام له الناسُ مسجدًا يُعـرف باسـمه فى ذات الموضع الذى كان قد دُفـن فيه هذا الشـيخ، وذلك عرفانًا منهم بمكانته الدينية، والروحية، ومن ثم أُطلق عليه اسم: "جامع التكرورى"([65])، وبفضل وجود هذا المسجد، وكذلك الضريح الذي دُفن به "الشيخ التكروري"، أطلق الناس على المنطقة الموجود بها كليهما اسم "بولاق التكروري". وعن هذا المسجد يقول المقريزي: "هذا الجامعُ في ناحية بولاق التكروري.."([66]).

ومن المعلوم أنه لما مات "الشيخ التكروري" بُنى على قبره قُبـة، وعمل بجانبـه جامع، جدده، ووسـعه الأمير "محسن الشهابى" مُقـدم المماليك، وولى تقدمة المماليك عوضًا عن الطـواشى عنبر السحرتى، أول صفر سنة 743هـ([67]). ثـم إن نهر النيل مال على ناحية "بـولاق" فيما بعـد سنة 790هـ، وأخـذ منها قطـعة عظيمة كانت كلها مساكـن، فخاف أهل "حي التكروري" أن يتهدم ضريـح الشيخ التكروري، وكذلك الجامع الذي يحمل اسمه، نظرًا لقربهما من مجرى مياه النهر، فنقل الناس الضريح والجامع لداخل حي التكروري([68])، ويذكر على مبارك أن الجامع والضريح اللذان يحملان اسم الشيخ التكروري كانا باقيين حتى أيامه، والمعروف أنه توفي آواخر القرن 19م (في سنة 1893م)([69]). وكان قد قام بتجـديد جامـع الشيخ "التكرورى" السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون، وكانت تـوجد قبة فى حديقة الحريم بسراى "بولاق التكرور" للأمير ابن الأمير طوسون باشا. وعلى أية حال فإنه ممالاريب فيه أن  التكـاررة الذين استقروا بالقاهرة بمرور الزمن اختلطوا، واندمجوا فى حياة المصريين، حتـى يمكن القول بأنهم تمصروا تماما([70]). ويرى الباحثُ بدوره أن أعداداً من أهل التكرور آثروا البقاء، والاستقرار في "حي التكرور" بسبب وجود مسجد وضريح الشيخ يوسف التكروري.

خامسًا- مدرسة التكرور بالقاهرة:

يُرجح أن جماعات من شعب "التكرور" استقرت بمدينة القاهرة منذ وقتٍ بعيد، وقبل حوالي قرنين من زمان السلطان "منسا موسى" (712-738هـ) ذاته، حيث كانت تعيشُ جاليةٌ تكرورية كبيرة فى القاهرة منذ أيام "الدولة الفاطمية" (358-567هـ)، ومرورًا بحقبة "العصر الأيـوبي" (567-648هـ). وفي الغالب كان أكثرهم من طلاب العلم التكاررة، ولهذا أقام أهل التكرور، وكانوا أكثرهم فيما يقال من حكام بلاد الكانم (في تشاد)([71])، مدرسة لهم خاصة في منتصف القرن 7هـ/13م([72]). وكانت هذه "المدرسة التكرورية" تُعرف باسم: "مدرسة ابن رشيق"، وقد كانت الغاية العلمية من إقامتها، بجانب جمع طلاب بلاد "التكرور" معًا، وكذلك تدريس الفقه المالكى لهم، وهو المذهب الذى انتشر فى مصر، وكذلك في بلاد التكرور، وقد طُلب من واحد من كبار العلماء بمصر فى ذلـك الوقت، واسمه "ابن رشيق" حتى يقوم بالتدريس في مدرسة التكرور للطلاب التكاررة الموجودين بمدينة القاهرة([73]).

وعن تأسيس هذه المدرسة، يقول المقريزي: "هذه المدرسة للمالكية، وهي بخط "حمام الريش" من مدينة القاهرة، كان الكانم من طوائف التكرور لما وصلوا إلى مصر في سنة بضع وأربعين وستمائة قاصدين الحج دفعوا للقاضي "علم الدين ابن رشيق" مالًا بناها به، ودرس بها، فعُرفت به, وصار لها في "بلاد التكرور" سُمعةً عظيمةً، وكانوا يبعثون إليها في غالب السنين المال.." ([74]). ويعتقد الباحثُ أن العالم "ابن رشيق" كان يدعو كبار علماء مصر ليقوموا بالتدريس فى "مدرسة التكرور"، فلم يكن التدريس فيها مقتصراً عليه وحده.

سادسًا- رُواق التَكرور بالأزهر الشريف:

عَرفت مدينةُ القاهرة نظام "الحلقات الدراسية"، أو ما يعرف بـ"الأروقة" الدراسية فيما بعد، منذ حوالي القرن الأول الهجري، ومع الفتح العربي لأرض مصر سنة 21ه/641م([75]). وقد تعددت الجالياتُ القادمة من الممالك الأفريقية جنوب الصحراء عامة إلى القاهـرة، ولاسيما أولئك القادمين من "بلاد التكرور" بصفةٍ خاصة. وقد لعب "الأزهرُ الشربف" دورًا مهمًا فى جذب الكثيرين منهم، لما له من مكانة علمية ودينية كبرى بين المسلمين. وأخذت الأعدادُ الوافدة من الممالك الأفريقية تزداد لطلب العلم في الأزهر الشريف، ومن ثم صارت هناك حاجةٌ ملحةٌ لأن يكون لكل جالية أفريقية كانت قد استقرت بالقاهرة "رواقٌ" بالأزهر الشريف، وقد ارتبط هذا الرواق بأهل تلك الجالية من العلماء، وطلبة العلم. وكلمة "الرواق" يُقصد بها لغةً أنها: "المسافة بين كل عمودين من أعمدة المسجد"، وجمعها: "الأروقة"([76]). وعلى أية حال، فإنه من المعلوم أن أول درس ألقي بـ"الأزهر الشريف يرجع إلى سنة 365هـ، ثم أقيمت دار لسكن الفقهاء والعلماء بجوار الجامع الأزهر، وقد وضعت لهم الرواتب لنفقاتهم([77]). أما عن البداية الأولى لـ"أروقة الأزهر" تقول الدكتورة "سعاد ماهر": "وكان الأزهرُ منذ بدأت الدراسة فيه مفتوح الباب لكل مسلم، يقصده الطلابُ من مشارق الأرض ومغاربها..يتلقون العلم، وتجري عليهم الأرزاق، وتقيم كلُ جماعة منهم في مكانٍ خاص بها، وهذا هو نظام الأروقة الشهير الذي بدأ بالأزهر منذ العصر الفاطمي.."([78]). ويرى البعض أن البدايات الأولى لـ"نظام الأروقة" ترجع إلى أيام "العصر الفاطمي" (358-567هـ)، وتحديدًا إبان حُكم الخليفة الفاطمي "الحافظ لدين الله"([79]). بينما يؤكد آخرون أن نظام "الأروقة" تم العمل به بشكلٍ واضح أيام "دولة المماليك" (648-923هـ)، وقد استمر نظام الأروقة أيام الحكم التركي، وكذلك خلال حكم أسرة محمد علي (1805-1952م)، وإلى سنة 1954م، حيث صدر قرارٌ بإقامة "مدينة البعوث الإسلامية" ليُقيم فيها طلاب الأزهر الأفارقة، وغيرهم بدلاً من نظام الأروقة التقليدي، لاسيما مع كثرة وفود الطلاب الأجانب إلى مصر، سواء الأفارقة منهم، أو غيرهم من الجنسيات الأخرى([80]).

 وكانت "جالية التكـرور" من أهم الجاليات الأفريقية التى كان لها رواق خاص بها بالأزهـر الشريف، وكان يُعرف بـ"رواق التكـرور"، أو "رواق التكارنة" (أو التكاررة). وكان "شيخ الرواق" يجب أن يكون من "بلاد التكرور"، وكان يجد "رواق التكرور" في طرف المقصورة الجديدة فوق الإيوان، شمال الداخل من "باب الصعايدة". و"رواق التكرور" كان عبارة عن مبنى أرضي مقام على محل فسيح، وكان يقع أعلاه جزء من "رواق الشوام".

وقد بلغت "الجراية" المقدمة إلى طلاب التكرور المقيمين داخل هذا الرواق، في بعض الأحيان" 33 رغيفًا، وكانت هذه الجراية تقدم لهم كل يومين، وكان طلبة التكرور يتقاضون راتبًا لمساعدتهم على المعيشة وطلب العلم غُرة كل شهر هجري([81]). ويُشير البعضُ إلى أن "رواق التكاررة" كان مخصصًا لكل من: طلاب التكرور، وكذلك الطلاب القادمين من إقليم "واداي"، وكذلك طلاب دارفور، وسنار([82]).

ولعل في ذلك خلطٌ واضح، لأن طلاب سنار كان لهم رواق خاص بهم، وكان يحمل اسم "رواق سنار"، وكذلك كان طلاب واداي، وهو من أقاليم تشاد، ومن ثم فمن الراجح أنهم كانوا ضمن "رواق الكانم والبرنو". وعلى أية حال فقد استفاد أهل التكرور إبان قدومهم مع موكب الحج القادم بالإقامة بالقاهرة  انتظاراً  لخـروج موكب الحج، ولهذا كانوا يذهبون لأروقة الأزهر للدراسة، وطلب على أيدي علمائه الكبار، وذوى المكانة، والشهرة الواسعة. ومن جانب آخر تذكر بعض المصادر أن عدد طلاب الأروقة بالأزهر الشريف  في القرن التاسع الهجري كان قد بلغ حوالي 750 طالب من الأفارقة، والمغاربة، وكذلك طلاب العجم، والمصريين([83]).

الخاتمة:

وبعد هذه الرحلة التاريخية عبر "التراث التكروري" الإسلامي بمدينة القاهرة، يمكن أن نخلُص ببعض الاستنتاجات المُهمة:

  • أكدت هذه الدراسةُ أن "الأزهر الشريف"، و"موكب الحج" كانت من أهم الأسباب التي حفزت العديد من سكان "بلاد التكرور" على القدوم إلى مدينة القاهرة خلال العصور الإسلامية، إما لمرافقة "موكب الحج" المصري، وأداء مناسك الحج، وإما بهدف الدراسة والتعلم في الجامع الأزهر على أيدي كبار علماء مصر، ومن المعروف أن الأزهر الشريف كان قد نال مكانةً دينيةً، وعلميةً مُهمة في ربوع العالم الإسلامي.
  • أدى استقرار العديد من الجاليات التكرورية بمدينة القاهرة إلى بروز أنماطٍ عدة من تراث شعب التكرور بالقاهرة، وهو تراثٌ مُتنوع ما بين شخصيات من "أصول تكرورية" استقرت بالقاهرة، ومن ثم فإنهم تمصروا، أي صاروا مصريين قلبًا وقالبًا، ومع ذلك ظلوا يحتفظون بنسبهم إلى بلاد التكرور. هكذا كان للتكاررة تراثٌ مُهم بمدينة القاهرة، يشهد على العلاقات التي جمعت بين المصريين وشعب التكرور خلال حقبة العصر الإسلامي، ولايزال أثر تراث التكرور قائمًا حتى هذا اليوم.
  • أشارت الدراسةُ إلى ارتباط "حي التكرور" الحالي بالقاهرة بالجاليات التكرورية التي أقامت بهذه المدينة، وكان من أبرز هؤلاء "التكاررة" الشيخ يوسف التكروري الذي عاش إبان العصر الفاطمي (358-567هـ)، وقد اشتهر هذا الشيخ التكروري الأصل بالصلاح والتقوى، وكذلك الكرامات، ولما مات دُفن بذات المنطقة عاش بها، ثم أقاموا له مسجدًا يحمل اسمه، ومن ثم أُطلق اسمه على كل المنطقة التي كان يقطُن بها، وهو الحي المعروف باسم "حي التكرور"، أو "بولاق التكرور"، وهو حي "بولاق الدكرور" حاليًا.
  • وكان من أبرز نماذج "التراث التكروري" بمدينة القاهرة، وجود مدرسة تكرورية كانت مخصصة للطلاب التكاررة القادمين في طلب العلم بمدينة القاهرة، وقد عرفت أيضًا باسم "مدرسة ابن رشيق"، وهي ترجع لأيام "العصر الأيوبي" (567-648هـ).
  • وكان "رواق التكرور" أحد الأروقة المشهورة بـ"الأزهر الشريف"، وهو من أبرز جوانب "التراث التكروري" بمدينة القاهرة. وكان يسكن بهذا "الرواق" طلاب التكرور، وكان الحكام بمصر يوفرون الدعم المادي والمعنوي للطلاب التكاررة، ولغيرهم بالطبع من الطلاب الأفارقة بالقاهرة حتى ينالوا العلم الديني، والشرعي، ومن ثم كانوا يعودون لبلادهم لينشروا ذلك العلم الذي تعلموه بمصر.

 [1] تذكر المصادرُ أن بناء "الجامع الأزهر" بدأ في سنة 359هـ على يد القائد "جوهر الصقلي"، وانتهى البناء في شهر رمضان سنة 361هـ (المقريزي: المواعظ والاعتبار (خطط المقريزي)، جـ4، مكتبة الآداب، القاهرة، د.ت، ص49). وللمزيد عن تأسيس القاهرة، والأزهر الشريف، السيوطي: حُسن المحاضرة، جـ1، تحقيق: خليل المنصور، دار الكتب العلمية، بيروت، 1997م، ص221-222، وانظر سعاد ماهر: مساجد مصر وأؤلياؤها الصالحون، جـ1، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، 2009م، ص165 وما بعدها، انظر عبدالعزيز محمد الشناوي: الأزهر جامعًا وجامعة، جـ1، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2013م، 21-23.

 [2]يذهب البعضُ إلى أن ديلافوس كان من أوائل من انتبه إلى الأصل الصنهاجي لكلمة "تكرور"، وأورد أنه من المحتمل أنه لم يكن الاسم الأصلي للاقليم في الماضي، بل أطلقه بربر صنهاجة على هذه البلاد، ثم أخذه العرب عنهم. ويقال إن اسم (التكرور) يعني باللغة الصنهاجية: "المكان الذي يتعرض فيه المرء للسرقة"، فهو اسم مشتق من فعل (أكر) الصنهاجي الذي يعني: "يسرق" (وللمزيد عن أصل اسم التكرور، انظر: البرتلي: فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور، تحقيق  وتعليق: عبدالودود ولد عبدالله وأحمد جمال ولد الحسن، دار نجيبويه للدراسات  والطباعة والنشر، 2010م، ص12-13). ولايدري الباحث ما العلاقة بين التكرور كبلد من البلدان من جانب، وفعل يسرق من جانب آخر. ويعتقد الباحث أن في تلك التفسير لاسم التكرور تحاملاً من صاحب هذا الرأي، وهو مستشرق فرنسي على أية حال. وللمزيد عن هذا الرأي الغريب في أصل تلك التسمية، انظر رأي ديلافوس المتخصص في تاريخ بلاد التكرور: Delafosse: Haut Senegal-Niger, Maison Neuve et laRose, Paris, 1972,P. 35.

 [3]البرتلي: فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور، ص12-13.

[4] يعتقد البعضُ أن اسم "النيجر" مشتقٌ من الكلمة اليونانية اللاتينية "نيجرو" Negro التي تعني: "صاحب البشرة السوداء"، وهي البلاد التي يجري فيها هذا النهر، ومنه اشتق اسم نيجيريا..الخ. وقد أطلقت المصادر الإسلامية على هذا النهر اسم: (نيل السودان)، تشبيها له بـ"نهر النيل". ويذكر العُمري عن نهر النيجر: "فأما نيل السودان فهو آخذ بعد انحداره من الجنوب إلى الشمال خلف المعمور من الشرق حتى يصب في المحيط (أي الأطلنطي) بالغرب.." (العمري: مسالك الأبصار، جـ1، تحقيق: الدكتور عامر النجار،الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2012م، ص121).

[5] البرتلي: المصدر السابق، ص12.

[6] وللمزيد عن "بلاد التكرور"، انظر القزويني: آثار البلاد وأخبار العباد، دار صادر، بيروت، د.ت، ص26، الحميري: الروض المعطار، تحقيق: الدكتور إحسان عباس، مكتبة لبنان، 1984م، ص134، القلقشندي: صبح الأعشى، جـ5، تحقيق: فوزي محمد أمين، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 2005م، ص286. وللمزيد، البرتلي: فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور، ص12-13. وانظر كذلك: J. Spencer Trimingham: A History of Islam in West Africa, Glasgo University Publications, London, 1975, P.37.                 

Basil Davidson: The African Past Chronicles from Antiquity to Modern Times, Penguin African Library, Penguin Books, 1964, PP. 82-87.        

  1. D. Fage: A History of West Africa, Cambridge University Press, London, 1969, PP. 18-30.        

[7]القلقشندي: صبح الأعشى، جـ5، ص286.

[8] المصدر السابق، ص286.

[9] وعن مدينة كوكو، يقول الحميري (ت:   ): "مدينة مشهورة الذكر في بلاد السودان، كبيرة على ضفاف نهر من ناحية الشمال فيمر بها، ومنه شرب أهلها، ويجري حتى يجوز كوكو بأيام كثيرة، ثم يغوص في الصحراء في رمال، ودهاس مثل ما يغوص الفرات.." (الحميري: الروض المعطار، ص502.

[10] المصدر السابق، ص286.

[11] القلقشندي: صبح الأعشى، جـ5، ص286، (وأشار المقريزي لطلاب الكانم باسم التكرور، وذلك في اطار حديثه عن مدرسة ابن رشيق بالقاهرة والتي كانت قد شيدت للطلاب القادمين من بلاد التكرور(المقريزي: الخطط، جـ4، ص133، وانظر السيوطي: حسن المحاضرة، جـ1، ص290).

[12] القلقشندي: صبح الأعشى، جـ5، ص286.

[13] السيوطي: حسن المحاضرة، جـ1، ص290.

[14] انظر متن هذه الرسالة، السيوطي: فتح المطلب المبرور وبرد الكبد المحرور في الجواب عن الأسئلة الواردة من التكرور، فصل  من كتاب الحاوي للفتاوي، دار الكتب العلمية، بيروت،  طـ1، 1982م، ص291.

[15] البرتلي: فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور، ص12-13

[16] الحميري: الروض المعطار، ص134. ومن المعلوم أن أكثر المصادر الإسلامية التي تؤرخ إلى العصر الوسيط كانت تخلط ما بين نهر النيجر ونهر النيل، وكانت تطلق على الأول (أي نهر النيجر) اسم: النيل، ربما لأنهم كانوا يعتقدون أن أصلهم واحد، وأنهما مرتبطان مع بعضهما البعض.

[17] المصدر السابق، ص134.

[18] القلقشندي: صبح الأعشى: جـ5، ص286.

[19] المصدر السابق، ص286.

[20] وعن هذه الأقاليم، يقول القلقشندي نقلا عن رواية "العُمري": "وذكر في ممالك الأبصار أن هذه المملكة تشتمل على أربعة عشر إقليما، وهي: غانة، وزافون، وترنكا، وتكرور، وسنغانة، وبانبغو، وزرنطبنا، وبيترا، ودمورا، وزاغا، وكابرا، وبراغودي، وكوكو، ومالي، فذكر أربعة من الأقاليم الخمسة المتقدمة الذكر، وأسقط إقليم صوصو، وكأنها قد اضمحلت، زاد باقي ذلك.." (القلقشندي: المصدر السابق، ص286). ومن المؤكد هنا أن المقصود بهذه المملكة التي تضم الأربعة عشر إقليما من أقاليم غرب أفريقيا، هي مملكة مالي والتي كان العمري صاحب تلك الرواية معاصرا لأيام هذه المملكة، لاسيما وأن "سلطنة صنغي" ذاتها كانت قد تأسست بعد سقوط "مملكة مالي" في سنة 777هـ، أي بعد موت العمري (ت: 749هـ) بحوالي 28 سنة.

[21] القلقشندي: المصدر السابق، ص286.

[22] البرتلي: فتح الشكور في معرفة أعيان علماء التكرور، ص12-13.

[23] المصدر السابق، ص12-13.

[24] الحميري: الروض المعطار، ص134.

[25] المصدر السابق، ص134. وقد لعب "موكب الحـج" دورًا مُهمًا فى التقريب بين كل من بلاد التكـرور وشعبها من ناحية، وبين مصر وسلاطينها، وكذلك شعبها من ناحية أخرى، فقد كانت  مصر المعـبر الرئيسى للذهـاب الى أرض الحـرمين، ومن ثـم فكـان لابـد من زيـارة مصر خلال تلك الرحلة لمرافقة "موكب الحج" المصرى الذى كانت مصر ترسله الى بلاد الحجاز، خاصة وأنه كان يجهز بكل الامكانات المطلوبة سواءً من جانب التأمين ضد قطاع الطـرق، والمؤن الكافية للحجيج  فى رحلتهم. ولاريب أن التكارنة (التكرور) الذين يأتـون لمصر فى ذلك الوقت كانوا مُنبهرين بما كانوا يشاهـدونه  فى مصر من ازدهار حضاري لافـت، وما بـلغته من تطـور ومدنية لـم يألفـوه فى أى بلد آخر.

[26] وعن سقوط مدينة بغداد عاصمة الخلافة العباسية، وما وقع بعدها، يقول السيوطي: "ولما أخذ التتار بغداد، وقتل الخليفة (المستعصم)، وجرى ما جرى، اقامت الدنيا بلا خليفة ثلاث سنين ونصف..فلما كان في رجب من هذه السنة قدم أبوالقاسم أحمد بن أمير المؤمنين الظاهر بأمر الله، وهو عم الخليفة المستعصم.. وكان معتقلا ببغداد، ثم اطلق..ثم قصد الملك الظاهر (بيبرس) حين بلغه ملكه، فقدم عليه الديار المصرية..وكان دخوله إلى القاهرة في ثاني رجب، فخرج السلطان للقائه..وكان يوما مشهودا..فلما كان يوم الاثنين ثالث عشر رجب، جلس السلطان والخليفة في الإيوان بقلعة الجبل.." (السيوطي: حسن المحاضرة، جت2، ص69-70).

[27] ابن خلدون: التعريف بابن خلدون، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1979م، ص264. بل قا ا خلدون أيضا عن القاهرة:"من لم يرهالم ير عز الإسلام.." (ابن خلدون: التعريف، ص265).

[28] المقريزي: الخطط، جـ4، ص52-54، وللمزيد، انظر السيوطي: حسن المحاضرة، جـ2، ص221.

[29] عبدالرحمن زكي: تاريخ الدولة الإسلامية السودانية، المؤسسة العربية الحديثة، القاهرة، 1961م، ص106-107.

[30] ابن خلدون: التعريف بابن خلدون، ص264.

[31] المقريزي: خطط المقريزي، جـ4، ص133.

[32] على باشا مبارك: الخطط التوفيقية، جـ11، ص33. ومن الواضح أن علي باشا مبارك استعان بالعديد مما ورد في رواية المقريزي فيما يخص حي بولاق التكرور، وسبب تسميته بهذا الاسم، وعن ذلك الحي يقول على باشا مبارك: "بولاق التكرور، قرية قريبة من الجيزة، وكانت تعرف بمنية  بولاق، ثم عرفت ببولاق التكرور بسبب أنه كان نزل بها الشيخ أبومحمد يوسف التكرور..".

[33] على باشا مبارك: الخطط التوفيقية،  جـ11، ص33.

[34] المقريزي: خطط المقريزي، جـ4، ص133.

[35] المقريزي: المصدر السابق، ص133. وللمزيد عن الشيخ التكروري، انظر على باشا مبارك: الخطط التوفيقية، جـ11، ص33.

[36] ابن إيـاس: بدائـع الــزهور، جـ3، تحقيق: محمد مصطفى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1982م، ص321.

[37] ابن إيـاس: بدائـع الــزهور، جـ3، ص321.

[38] المصدر السابق، ص321.

[39] المصدر السابق، ص321. ومن المعروف أن ظاهرة وجود جاليات أفريقية بمصر، واستقرارهم بها يوجد أيضا من خلال الأسماء الأفريقية العديدة التي تحملها مثير من العائلات ذات الأصول الأفريقية بمصر، ولعل منها: الجبرتية التي ينتسب لها المؤرخ المصري المعروف عبدالرحمن الجبرتي الذي عاش ما بين القرنين 18 و19 الميلاديين، وكانت أسرته من إقليم جبرنة، وهو من أقاليم بلاد الزيلع بالقرن الأفريقي. وعلى ذات السياق عائلة السنارية التي تنتسب لأسرة من سنار عاصمة بلاد الفونج الإسلامية التي تأسست أوائل القرن 10هـ/16م في السودان الحالي، أو سودان وادي النيل.

[40] أحمد بابا التنبكتي: نيل الابتهاج بتطريز الديباج، المجلد الأول، تحقيق: الدكتور علي عمر، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، 2015م، ص147-148، وانظر أيضا عبدالرحمن السعدي: تاريخ السودان، مطبعة بردين، أنجي، 1898م، ص41.

[41] الهادى المبروك الدالى: التاريخ الحضاري لأفريقيا ما وراء الصحراء، طرابلس، طـ1، 2000م، ص191

[42] عبدالرحمن السعدي: تاريخ السودان، ص41.

[43] توجد هذه الرسالة التي تضم فتاوى الإمام السيوطي ضمن كتابه المعروف بـ"الحاوي للفتاوي" (للمزيد عن ذلك انظر السيوطي: فتح المطلب المبرور وبرد الكبد المحرور في الجواب عن الأسئلة الواردة من التكرور، فصل من كتاب الحاوي للفتاوي، دار الكتب العلمية، بيروت، طـ1، 1982م، ص291).

[44] السيوطي: المصدر السابق، ص284.

[45] يقول السيوطي عن هذا العالم التكروري: "من الفقير عبدالرحمن بن أبي بكر بن محمد...بن همام الخضيري السيوطي الشافعي إلى حبيبه وأخيه في الله الشيخ العالم الصالح شمس الدين محمد بن علي اللمتوني أعزه الله تعالى في الدارين، وأزال عن قلبه كل رين.." (السيوطي: فتح المطلب المبرور، ص291).

[46] السيوطي: فتح المطلب المبرور، ص291. 

[47] السيوطي: حسن المحاضرة، جـ1، ص290.

[48] المصدر السابق، ص284.

[49] أحمد بابا التنبكتي: نيل الابتهاج، المجلد الأول، ص147-148، وانظر السعدي: تاريخ السودان، ص41.

[50] ولاتن: وتعرف أيضا باسم ولاتة، وايولاتن، وهي من المحطات التجارية المهمة في تجارة الصحراء، وهي تبعد عن سجلماسة (جنوب المغرب) حوالي شهرين سفر، أي أنها تبلغ حوالي 2400 كيلومتر بحساب أيامنا (ابن بطوطة: رحلة ابن بطوطة، جـ2، ص608).

[51] وللمزيد عن ترجمته، انظر أحمد بابا التنبكتي: نيل الابتهاج بتطريز الديباج، جـ1، ص147-148. وتقع مدينتا تنبكت وولاتن (أو ولاتة) في دولة مالي حاليا.

[52] أحمد بابا التنبكتي: نيل الابتهاج، جـ1، ص148.

[53] السعدي: تاريخ السودان، ص37.

[54] وللمزيد عن ترجمته، انظر أحمد بابا التنبكتي: كفاية المحتاج لمعرفة من ليس في الديباج، جـ2، تحقيق: الدكتور علي عمر، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، 2004م، ص252.

[55] يقول أحمد بابا التنبكتي عن قدومه للقاهرة: "وحج عام خمسة عشر وتسعمائة فلقي السادة الأجلاء كإبراهيم المقدسي، والشيخ زكرياء، والقلقشندي من أصحاب الحافظ ابن حجر، واللقانيين، وغيرهم.." (أحمد بابا التنبكتي: كفاية المحتاج، جـ1، ص253).

[56] السعدي: تاريخ السودان، ص76.

[57] أحمد بابا التنبكتي: كفاية المحتاج، جـ2، ص252.

[58] السعدي: المصدر السابق، ص76.

[59] علي باشا مبارك: الخطط التوفيقية، جـ11، ص33.

[60] يقول المقريزي عن الوقت الذي عاش فيه الشيخ التكروري: "ويقال إنه كان في خلافة العزيز بن المعز، وأن الشريف محمد بن أسعد الجواني جمع له جزء من مناقبه.." (المقريزي: الخطط، جـ4، ص133). وللمزيد، انظر على باشا مبارك: الخطط التوفيقية، جـ11، ص33. والعزيز بالله هو أبوالمنصور نزار بن معد (المعز)، ولد سنة 344هـ، وولي حكم مصر سنة 365هـ، وكان أسمر اللون طويلاً، أصهب الشعر، عريض المنكبين، لايؤثر سفك الدماء، وكان حسن الخلق. وقد توفي العزيز بالله في بلبيس سنة 386هـ (وللمزيد، انظر القضاعي (ت: 454هـ): تاريخ القضاعي (عيون المعارف وفنون أخبار الخلائف)، تحقيق: جميل عبدالله محمد، معهد البحوث العلمية واحياء التراث الإسلامي، جامعة أم القرى، 1995، ص570-571).

[61] علي باشا مبارك: الخطط التوفيقية، جـ11، ص33.

[62] المصدر السابق، ص33. كما تذكر الرواياتُ أيضاً أنه كان بالقاهرة لرجل يعمل بـ"الدباغة" أتاه عفص، فأخذه منه أصحاب السلطان. فأتى الدباغ إلى الشيخ التكرورى، وشكا اليه ما وقع  فيه من ضر، وما فعله  به أصحاب السلطان. ويقال إن الشيخ دعا ربه، فرد الله عليه عفصه بسؤال أصحاب السلطان له فى ذلـك. وقد حكى غير ذلك الكـثير عن كرامات الشيخ (علي مبارك: المصدر السابق، ص133).

[63] المقريزي: الخطط، جـ4، ص133.

[64] على باشا مبارك: الخطط التوفيقية، جـ3، ص116.

[65] المقريزي: الخطط، جـ4، ص133.

[66] المصدر السابق، ص133.

[67] علي مبارك: الخطط التوفيقية، جـ11، ص33.

[68] المقريزي: الخطط، جـ4، ص133.

[69] الخطط التوفيقية: جـ11، ص33.

[70] ابن إيـاس: بدائـع  الــزهور، جـ3، ص321. وانظر على مبارك: جـ11، ص33.

[71] المقريزي: الخطط، جـ4، ص133.

[72] بلاد الكانم: هي مملكة أفريقية تأسست فيما يعرف باسم بلاد السودان الأوسط، وهي تقع في دولة تشاد حاليا، وقد قامت تحديدا على ضفاف بحيرة تشاد. ثم انتقل ملوك هذه البلاد إلى منطقة أخرى بجوار بحيرة تشاد، وأقاموا مملكة أخرى باسم: بلاد البرنو (وللمزيد عن بلاد الكانم، انظر القلقشندي: صبح الأعشى، جـ5، ص280-281)، عبدالرحمن زكي: تاريخ الدول الإسلامية السودانية، ص173 وما بعدها وكذلك Lavinia Dobler: Great Rulers of the African Past, Zenith Books, New York, 1965, PP. 95-100.                                                

[73] المقريزي: المصدر السابق، ص195.

[74] المصدر السابق، ص195.

[75] سعاد ماهر: مساجد مصر، جـ1، ص171.

[76] ه. أ. ر. جب وجـ. هـ. كالمرز: الموسوعة الإسلامية الميسرة، جـ1، ترجمة: راشدة البراوي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2013م، ص667.

[77] سعاد ماهر: مساجد مصر وأولياؤها الصالحون، جـ1، ص171.

[78] المرجع السابق، 175.

[79] يذكر المقريزي أن الأزهر منذ بنائه الأول كانت مقسما لأروقة، كما ذكر أيضا: "سأل الوزير يعقوب (بن كلس)..الخليفة العزيز بالله في صلة رزق جماعة من الفقهاء، فأطلق لهم كل ما يكفي كل واحد منهم..وأمر بشراء دار وبنائها فبنيت بجانب الجامع الأزهر، فإذا كان يوم الجمعة حضروا إلى الجامع وتحلقوا فيه بعد الصلاة (المقريزي: الخطط، جـ1، ص49)، ولعل تلك أو فكرة ترتبط بحلقات الفقهاء، أو ما يعرف بالأروقة فيما بعد. كما ذكر المقريزي أنه تم تجديده أيام الحافظ لدين الله الفاطمي، وأنشأ مقصورة باسم فاطمة الزهراء بجوار الباب الغربي الذي يقع في مقدم الجامع الأزهر بداخل رواقات المسجد (المقريزي: الخطط، جـ4، ص52، وانظر السيوطي: حسن المحاضرة، جـ2، ص221). ولعله فهم من هذه الرواية وجود الأروقة أو الرواقات بالفعل، لكن دون أن يعطي المقريزي مزيدا من التفاصيل في هذا الشأن. (انظر عبدالعزيز الشناوي: الأزهر، جـ1، ص227).

[80] عبدالعزيز الشناوي: الأزهر، جـ1، ص226. ويحدد البعض عدد أروقة الأزهر للطلاب الوافدين لمصر بحوالي 15 رواقا، وهم: رواق الشوام، رواق المغاربة، رواق الأتراك، رواق الحرمين، رواق اليمن، رواق البرنية (البرناوية، بلاد البرنو)، رواق الجبرتية (الحبشة والصومال واريتريا)، رواق البرابرة (موريتانيا وما جاورها)، رواق السليمانية (الأفغان)، رواق الجاوة (ماليزيا وأندونيسيا)، رواق التكاررة أو الدكارنة (التكرور)، رواق دكارنة صليح (تشاد)، رواق الأكراد، رواق البغدادية (العراق والبحرين)، رواق الهنود، رواق السنارية (سنار)، رواق الصين (الشناوي: الأزهر، جـ1، ص234-240). 

[81] عبدالعزيز الشناوي: الأزهر، جـ1، ص238.

[82] هـ. جب: الموسوعة الإسلامية الميسرة، جـ1، ص68.

[83] سعاد ماهر: مساجد مصر، جـ1، ص175.

خمسة أمثلة توضح أن إنسان نياندرتال لم يكن مجرد "رجل قرد" الجزء الأول

كتب د. ياسر الليثي

الباحث الباليوأنثروبولوجي

تم وصفها بأنها مخلوقات فجة وغبية ، و تم وصفهم برجال الكهوف البدائيين والرجال القرود ، و أنهم أقرب إلى الغوريلا من البشر المعاصرين ومع ذلك  تؤكد الابحاث الحديثة بأنهم كانوا في الواقع نوعا من أنواع البشر الأذكياء جدا والبارعين جدا ولم يكونوا الرجال القردة كما يدعي البعض,  لذا فمن غير الإنصاف لهم استخدام كلمة نياندرتال اليوم كإهانة أو تحقير من شأنهم.

 يقول مدير متحف التاريخ الطبيعي البريطاني ، و هو المتحف  الذي يحتوي علي منطقة مخصصة لعرض مقتنيات خاصة لإنسان ما قبل التاريخ, أن إنسان نياندرتال انقرض قبل 40.000 سنة , واعترف مدير المتحف ان نياندرتال يعتبر شكل مميز من اشكال الإنسان ، وقد تم التقليل من شأن إنسان النياندرتال لعقود ومع ذلك ، أظهرت التحقيقات المختلفة في السنوات الأخيرة صورة أكثر تعقيدًا بكثير لأبناء عمومتنا البعيدين , و فيما يلي خمسة أمثلة حديثة للاكتشافات التي أظهرت لماذا كانت هذه الأنواع المنقرضة أكثر تقدمًا مما كان يعتقد في الأصل

1 - اختلط أسلافنا معهم

كان هناك إعتقاد في القرنين التاسع عشر والعشرين أن إنسان نياندرتال كان نوعًا مختلفًا جدًا وأدنى من الإنسان العاقل ، ولكن في الاونة الأخيرة ظهرت الكثير من الابحاث التي اظهرت  ان  النياندرتاليون والبشر لم يعيشوا معًا فقط في أوراسيا ، ولكنهم أيضًا تزاوجوا و تشاركوا النسل معًا و كانت  الثمرة البشرية من هذا التزاوج بين نوعين مختلفين من الانواع البشرية إنسان دينيسوفا الغامض.  

وفقًا للتحليل الجيني لأحافير النياندرتال ، تزاوج الإنسان العاقل مرارًا وتكرارًا مع إنسان نياندرتال على مدى عشرات الآلاف من السنين ونتيجة لذلك ، يوجد حاليًا أشخاص لديهم ما يصل إلى 2 ٪ من الحمض النووي النياندرتالي , في حين أنه من غير الواضح لماذا ، بعد البقاء على قيد الحياة لمدة 350,000 سنة ، اختفى النياندرتال ، فمن المؤكد حسب الدراسات الحديثة أنه ليس بسبب زيادة القدرة الإدراكية للهوموسابيينس كما قيل لعقود,  فهناك العديد من النظريات الحديثة  أن النياندرتال لم يستطع التكاثر بسرعة كافية ، وأن الإنسان الحديث أخذ الموارد الطبيعية منه وأصابه بالعدوي  بأمراض جديدة عليه, هناك أيضًا الكثير من النظريات تشير إلى تغير المناخ كعامل مؤثر في اختفائه

السبب الذي ربما ساهم في انقراض النياندرتال ونجاة الإنسان العاقل الامر الذي خلق نوع من المنافسة الشرسة التي كانت أساسية في اختفاء إنسان نياندرتال من على وجه الأرض في تجربة نشرت العام الماضي في المجلة العلمية (وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم)  أعاد مجموعة من الباحثين في تلك التجربة  بناء مناخ وسط أوروبا ما قبل التاريخ من خلال تحليل الصواعد من كهفين في رومانيا , واكتشفوا أن المنطقة عانت من فترتين من درجات الحرارة شديدة البرودة في الوقت الذي انخفض فيه عدد سكان النياندرتال ثم اختفوا في هذا العصر الجليدي ،  في حين كان بإمكان الهوموسابيينس البقاء على قيد الحياة بشكل أفضل بفضل النظام الغذائي الأكثر تنوعًا ، والذي شمل نسبة أعلى من النباتات والأسماك مقارنة بغذاء النياندرتال ، الذين كانوا أكثر اعتمادًا على لحوم الثدييات الكبيرة التي ماتت نتيجة للطقس.

وفقًا لريك بوتس الخبير في الأصول البشرية في متحف سميثسونيان  الوطني للتاريخ الطبيعي في الولايات المتحدة ، ربما لم يكن جنسنا أكثر دهاءً من النياندرتال , و أضاف " لقد نجونا ببساطة"

2  - كان يمكنهم الصيد وقتل الحيوانات عن بعد

وفقًا لدراسة أجرتها كلية لندن الجامعية هذا الشهر الماضي ، ابتكر النياندرتال أسلحة متقدمة بما يكفي لتكون قادرة على الصيد و القتل عن بعد.

للتوصل إلى هذا الاستنتاج ، أجرى الباحثون تجربة باستخدام رمح خشبي تم أكتشافة في حفره في شونينجن بألمانيا في التسعينات ويقدر عمرة بحوالي 300000 سنة , اختبر الفريق العلمي أداء هذه الأسلحة من خلال إنشاء نسخ طبق الأصل ، و تم أستخدام مجموعة من رياضيي الرمح في تلك التجربة لضرب هدف من عده المسافات , و كانت النتيجة هي أنه يمكن أن تصل الرماح بدقة إلى هدف يصل إلى 20 مترًا بسهولة,  وقالت الباحثة الرئيسية في التجربة ، أنيميكي ميلكز ، لبي بي سي إن هذا الاكتشاف يثبت مرة أخرى مدى ذكاء إنسان نياندرتال.

يتبع في المقالة القادمة فأنتظرونا

من نحن

  •  مجلة كاسل السياحة والفندقة معنية بتوضيح أهمية السياحة فى مصر بصفة خاصة والسياحة فى العالم بصفة عامة وكذلك السياحة الداخلية والفنادق السياحية  
  • 0020236868399 / 00201004734646
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.