كاسل السياحة والفندقة Written by  آذار 06, 2020 - 554 Views

مناظر أسطورة الرامايانا على التحف العاجية في العصر المغولي الهندي

Rate this item
(1 Vote)

كتبت د. صباح عبد الحكيم إبراهيم الشربيني

باحثة دكتوراه في الاثار الإسلامية – جامعة حلوان

الأساطير الهندية هي مجموعة كبيرة من الحكايات التقليدية المتعلقة بالهندوسية، ولا سيما على النحو الوارد في الأدب السنسكريتي، مثل الملاحم السنسكريتية[1]والبورانا[2]، ومثل المجموعة الفرعية من الثقافة الهندية والنيبالية. وبدلاً من كونها تمثل بنية واحدة متسقة ومتجانسة، فهي عبارة عن مجموعة من التقاليد المختلفة، طورتها مجموعة من الطوائف المختلفة، والمدارس الشعبية والفلسفية في بقاع وعصور مختلفة، ولم تخضع بالضرورة للأدب الهندوسي المرتبط بأحداثهم التاريخية، ولكن تأخذ طابعاً عميقاً، وغالباً ما يكون رمزياً، مما يعني وجود مجموعة معقدة من التفسيرات[3] .

       ولقد لعبت الاساطير دوراً هاماً وحيوياً في تشكيل عقيدة الفنان الهندي، حيث قاموا على مر العصور والازمان بتناول احداث تلك الاساطير على العديد من لوحاتهم ومنمنماتهم بأسلوب غاية في الروعة والجمال.

من اهم المناظر التصويرية على العاج تلك التي تحاكى قصة اسطورية من وحي الخيال، كتصويرة لجزء من " اسطورة الرامايانا "[4]. وتدور أحداث هذه الأسطورة حول ملك اسمه (داشاراذا)، سيد بلاد (كوسلا)، الذي لا ينجب أولاد، حيث أبت الآلهة أن تنعم عليه بولد يتولى من بعده عرش البلاد. وكان سكان مدينة (أيوذا) يعرفون تلك الحسرة التي تأخذ بقلب الملك، إلا أنهم لا يملكوا الطيب ولي العهد.

         ولعل رب الأرباب قد استجاب لدعوات القوم الصالحين، ووهبة غلام اسمه (راما)، يكون له ثلاث أخوة أخرين من كل زوجة من زوجات الملك الأخريات. وكبر (راما)حتى بلغ السادسة عشر، وبدا الملك يمنحه من قلبه كل شيء ويدربه على ان يكون ملكاً من بعده، وعزم أن يزوجه (سيتا) كبري بنات (جاناك) ملك (ميثالا). غير انها في الحقيقة لم تكن ابنة الملك. فقد كان يسوق المحراث يحرث به بستان قصره ذات يوم، وإذا بالأرض تنشق من تحته، وتخرج من مجري الحرث طفلة صغيرة يشع من حولها النور، ذات جبين من عاج، وشفة من مرجان، واسنان تسطع بلمعة اللآلئ. كانت هي نفسها (سيتا)، التي اعتبرها الملك هدية من الآلهة، فتعهدها في قصره حتى شبت، وعندما حان وقت زواجها، قرر الملك (جاناك) ألا يزوجها إلا لمن يستطيع ان يثني القوس المقدس الذي أهدته الآلهة لأجداده الأقدمين[5] .

         وتقدم لخطبة الأميرة أبناء القصور من كل الممالك حوله، غير ان احداً لم يستطيع أن يثني القوس، فقد كان قوساً مارداً عملاقاً، صنعه الإله (شيفا) لنفسه، ثم أهداه لأجداد(ناناك)، ومنذ ذلك اليوم عجز الجميع عن ثنيه، فلا الآلهة ولا المردة لا الشياطين، كانوا يملكون القوة التي تستطيع أن تثنيه[6] .

وقرر(راما)ان يشارك في المباراة، وامر الملك بالقوس، ومد (راما) يده فأخرج القوس من كيسه وبدأ بثنيه، وانحني القوس في يد (راما) حتى تلامس طرفاه، ثم تحطم في صوت كالرعد، وهزة كالزلزال. وأقيمت الأفراح، وأرسل (جاناك) إلى جاره الملك (داشارإذا) يدعوه إلى حفل الزواج.

         ولقد أعلن الملك انه يدعو الشعب في الغد لحضور حفل تنصيب ولي عهده، وملأت الأفراح كل (أيوذا) التي امتلأت قلوب سكانها بحب (راما) وزوجته الأميرة (سيتا)، غير ان قلباً واحداً كان يمتلئ غماً وحسداً، هو قلب الملكة (كايكي)، فقد أحزنها ان يكون العرش لابن ضرتها دون ولدها (باراتا)الحبيب. وحالت (كايكي) دون ذلك لأنها لم تكن والده (راما)، لأن أباه تزوج من أربع ملكات، وكان (راما) من الملكة الأولي، و(كايكي) ملكة رابعة، وتريد تتويج أبنها بدلاً من (راما)، ولذلك استخدمت الحيل، وحطمت آمال (راما) وقررت ابعاده عن العرش ليعيش في المنفي وسط الغابات والجبال بجنوب الهند لمدة أربعة عشرسنة فخرج(راما)وسط شاهد حزينة إلى الغابات يرافقه زوجته(سيتا)واخوه(لكشمان)[7].

 ولم يكد الأمراء الثلاثة يمضون، حتى سقط الملك ميتا من فرط ما ألم به من حزن، وبرغم أن (كايكي) ملأها الفرح لموت زوجها، إلا أن (بارتا) ابنها رفض العرش، واقسم ان يحكم باسم اخية (راما) حتى يعود من منفاه[8] .وأخذ (راما) ورفيقاه طريقهم في أعماق الغابة، وظلوا يسيرون حتى اخذ التعب (سيتا) واحست بحاجة إلى الراحة، وهنا فقط حط الثلاثة الرحال وقرروا ان يبنوا مسكناً صغيراً يأوون اليه، وترتاح (سيتا) فيه. ومرت الأيام وكانت (سورباناجا) اخت(رأفا) ملك الشياطين تتنزه في الغابة، حينما شهدت (راما) جالساً يناجي زوجته، واحست(سورباناجا) نحو الفتي بهوي غريب، إلا ان (راما) سد عنها سمعه، ورفض أن يستجيب لعاطفتها. وقررت (سورباناجا) التخلص من (سيتا) إلا أن (لكشمان) أنقذها، وبحد سيفه البتار قطع انفها واذنيها[9]، وصرخت الشيطانة في غضب، وانطلقت تجري والدم ينبثق صاخباً من جروحها، حتى التقت بأخيها الصغير (كارا)، وعندما عرف (كارا) الأمر اقسم لينتقم لها[10] .

       واقترب (كارا) من (راما)، ونشبت معركة عنيفة مهولة، مات على أثرها (كارا)، غير ان المعركة لم تكن لتنتهي عند هذا الحد. فقد تلقي (رافانا) ملك الشياطين أنباء مصرع اخيه وجيوشه، فجن جنونه، ونهض من فوق عرشة وهو يقسم ليقتلن (راما) ويمثلن به.

وقام (رافانا) بحيلة ما خطف على أثرها(سيتا)، وذهب بها إلى القصر المسحور، وقام (راما) على أثر ذلك بالبحث يميناً ويساراً عن زوجته بمساعدة أهل الغابة من جنيات غدر اواتو مردة، وهنا قام الفنان الهندي بتصوير تلك اللحظة من الرقة والجمال بمنظر تصويري بارعاً للغاية.

       وقد اخبرته الجنيات بمكان وجود زوجته، وبالفعل توجه (راما) بصحبه اخوه (لكشمان) الى القصر المسحور حيث يحتجز(رافانا) زوجة (راما)، وقام مصورو الهند بتصوير لحظة استخلاص (راما) زوجته (سيتا) من براثن الوحش في (لانكا)[11] ، فمجرد ان رأينا الوحوش التي تقوم بحراسة قصر الامير (راما) تحولن الى جنيات عازفات على أنغام الآلات الموسيقية، حتى يخدعن (راما) وليقوم بإزائهن، واستمرت الحرب طاحنة لعدة ايام، انتهت بهزيمة جيوش الشياطين، واسترجاع (راما) زوجته (سيتا). وعندما اخذ (راما) و(سيتا) و(لكشمان) طريق العودة الى الوطن، كانت الانباء قد سبقتهم الى هناك على لسان (هانومان)، فخرجت (أيوذا) كلها وعلى رأسها نائب الملك (باراتا) الذي رفض ان يجلس على العرش طوال أربعة عشرة سنة، وظل محتفظاً به ليضع التاج بعد ذلك بنفسه على رأس اخيه (راما) وزوجته الحسناء (سيتا)[12] .

ومن الواضح ان الفنان الهندي لم يصبه التوفيق في تصوير ملحمة (الرامايانا)تصويراً دقيقاً يحاكي الواقع، فلعل الأسطورة التي سطرتها كتب السير لم تشرح من قريب او بعيد عن مساعدة الجنيات العازفات للأمير (راما) في البحث عن زوجته، بل من قام بمساعدة القرد (هانومان)، وملك النسور الذي أخبر (راما) بمكان زوجته ودببه[13]  .

        ولقد تركت هذه الملحمة أثراً قوياً في نفوس الهندوس، واحتلت مكان الصدارة بين غيرها من الملاحم، كما ساهمت مساهمة كبيرة في رفع معنوية الشعب ومنحه قوة روحية دافئة، وإيقاف شعور الحب والتضحية في نفوس الهندوس لتقديس وطنهم ومعتقداتهم الدينية، وشخصياتهم الأسطورية الخالدة إلى حد العبودية[14] .

[1]-اللغة السنسكريتية: هي لغة الآيون الأصلية التي يعرفوها في موطنهم الأصلي، وهى تشبه الأوروبية القديمة إلى حد كبير، وقد تشبعت من هذه اللغة الأصلية معظم لغات أوروبا،، الندوي (اسماعيل محمد ) ، الهند القديمة - حضاراتها ودياناتها  ، دار الشعب للنشر ، القاهرة ، 1970 م ، ص 63.

وتعد اللغة السنسكريتية واحدة من اللغات المتعددة التي يتحدثها الهنود، فعندهم 240لغة و 300لهجة بالإضافة إلى اللغة الفارسية، واللغة البهلوية التي كانت لغة رسمية للقصور في الهندوستان. وفى القرن 15م ظهرت لغة جديدة وهي اللغة الهندوستانية – أصلها آري – وتحتوي على الكثير من الكلمات الفارسية والعربية والهندية والتركية، وأصبح اسمها اللغة الأردية نسبة إلى " الأوردو " وهي لغة معسكرات المغول، واتسع انتشارها بين المسلمين وغيرهم بالرغم من اعتبارها لغة إسلامية في نظر الهنود، وخاصة بعد تقسيم الهند إلى دولتي الهند وباكستان. شلبي (احمد) ، أديان الهند الكبرى – الهندوسية الجبلية البوذية ، الجزء الرابع ، الطبعة 11 ، مكتبة النهضة المصرية ، 2000م،ص 26.

[2]- البورانا: تعني القديم ، وهي نصوص دينية مهداة الى الإلهة ، تصف الاساطير المقدسة وممارسات العبادات والحج . رينو(لويس) ،اداب الهند ، ترجمة هنري زغيب ، منشورات عويدات ، بيروت ، باريس ، الطبعة الاولي ، 1989م، ص 21.

[3]- Jacqueline SuthrenHirst , Myth and History , In Themes and issues in Hinduism , Cassell , 1998 , p.143 .

[4]- اسطورة الرامايانا: هي أوديسية الهند في تاريخ الأدب الأسطوري ، وهى من اشهر أساطير الهند واحبها الى النفوس ، وتتناول حياة بطل اسمه ( راما ) نفاه ابوه في غابة الشياطين حيث لقي من المصائب والاهوال الواناً شتي ، ونشب صراع جبار بينه وبين ( رافانا ) ملك الشياطين ، وتمكن ( رافانا ) من خطف زوجته ، فظلت تنتظر زوجها صابرة طاهرة لا تستسلم ليأس ابداً ، والهندي يعتبر " الرامايانا " كتاباً مقدساً ، ويعتبر ( راما ) صورة مجسدة للألوهية ، ولا يزال يتوجه إليه بصلاته ، وهو حين يقرا الاسطورة إنما يشعر بأنه يستمد متعة ادبية وارتفاعا خلقياً . معدى(الحسيني ) ،سلسلة اساطير العالم - الاساطير الهندية ، كنوز للنشر ، الطبعة الاولي ، 2009م، ص 15.

[5]- معدي ، الأساطير الهندية ، ص 16 .

[6]- معدي ، الأساطير الهندية ، ص 16 .

[7]- الندوي(إسماعيل محمد )، الهند القديمة -حضاراتها  ودياناتها ،ص 130.

[8]- معدي، الأساطير الهندية ، ص20.

[9]- لوبون (جوستاف) ، حضارات الهند ، ترجمة عادل زعيتر ،دار العالم للنشر، القاهرة ،الطبعة الاولي ،2009م ، ص461.

[10]-معدي، الأساطير الهندية ، ص21.

[11]- عكاشة (ثروت)، فنون الشرق الأقصى - الفن الهندي ، دار الشروق للنشر، الطبعة الاولي ، القاهرة ، 2005م ، ص 29.

[12]- معدي ، الاساطير الهندية ، ص31.

[13]- لوبون، حضارات الهند ، ص 461:462

[14]- الندوي، الهند القديمة ، ص 132.

من نحن

  •  مجلة كاسل السياحة والفندقة معنية بتوضيح أهمية السياحة فى مصر بصفة خاصة والسياحة فى العالم بصفة عامة وكذلك السياحة الداخلية والفنادق السياحية  
  • 0020236868399 / 00201004734646
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.